الإستشارة - المستشار : د. ماهر السوسي
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 6276
01/11/2026
فضيلة المفتي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
كثيرًا ما أسمع فيما أحضره من ندوات دينية عن الخشوع في الصلاة، وعن أهميته، وأنه لا تصح الصلاة بدونه، لكني لا أدري ما حقيقة الخشوع بالضبط، ولا أعرف كيف أضبطه، فهل لكم أن تبينوا لي ما هو الخشوع وكيف أخشع في صلاتي؟
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
السائل الكريم
حياك الله وزادك علمًا، فما سمعته عن ضرورة الخشوع وعن أهميته في الصلاة هو صحيح،
فلا بد للمصلي أن يكون خاشعًا في صلاته، يبتغي بها وجه الله تعالى، ولا يشرك معه
أحدًا أثناء تأديته لصلاته؛ من أجل ذلك أبين لك هنا معنى الخشوع، وعلاقته بالصلاة
ومن ثَمَّ أبين محله وكيفيته، بإذن الله تعالى.
معنى الخشوع:
فالخشوع مصدر
الفعل خشع يخشع خشوعًا، وهو بمعنى التذلل والخضوع لله تعالى، وهو أيضًا الاستسلام
لله والخوف منه؛ فالخاشع هو الخائف من الله تعالى المتذلل له والمستسلم لإراداته.
ويؤيده ما نقله
الطبري في تفسيره من قوله: "وأصلُ الخشوعِ التَّواضعُ والتَّذللُ
والاسْتِكانةُ، ومنه قولُ الشاعرِ:
لَمَّا أَتَى
خَبَرُ الزُّبيرِ تواضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
يعني: والجبالُ
خُشَّعٌ مُتَذَلِّلةٌ".
والخشوع هو
السكون والاطمئنان؛ يقول الله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا
تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}، أي سكنت الأصوات، وهذا في المحشر، حيث تسكن أصوات الناس
ولا يسمع إلا أصوات أقدامهم، وهم يجيبون داعيّ الله سبحانه وتعالى، وكذلك قوله
تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً}، أي ساكنة غير متحركة
لا نبات فيها، فهي كالميتة.
الحكمة من
مشروعية الخشوع:
من أجل ذلك
"كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ
إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شيء وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ
بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا"، هذه العبارة التي نقلها الإمام القرطبي تبين
بجلاء كيف كانت حالة هؤلاء العلماء أثناء خشوعهم، تلك الحالة التي تتمثل في مهابة
الله تعالى، فهم فهموا الخشوع على أنه الخوف من الله تعالى، وعدم الانشغال بشيء
سواه أثناء الصلاة.
هذا؛ والصلاة
أحوج للخشوع بهذا المعنى؛ حيث الخشوع روحها، ذلك أن الصلاة هي صلة بين الله
والعبد، وهذا يقتضي ألا تنقطع هذه الصلة بانشغال العبد أثناء الصلاة بأي شيء حتى
لا تنقطع صلته بالله تعالى، وفي هذا روى أبو داود في سننه حديث رسول الله ﷺ الذي قال فيه:
"لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت
انصرف عنه"؛ فالحديث واضح في أن الله تعالى يُقبل على المصلي يستمع منه ينظر
إليه في الصلاة ما دام العبد مقبلاً على الله تعالى، فإذا التفت العبد عن الله
تركه الله وانصرف عنه.
ومثله ما رواه
أبو ذرٍّ رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ
تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". والمقصود بقوله ﷺ: "فلا
يحركن الحصى"، أي لا ينشغل أثناء صلاته بشيء غير الصلاة.
كما أن الصلاة
ركن الإسلام الركين، وهي الفارقة ما بين الإيمان الحق والنفاق، من أجل ذلك كان لا بد
من الخشوع فيها، حتى يكون الإنسان أقرب إلى الله وهو يؤدي هذه العبادة الكبرى.
والخشوع في
الصلاة دليل حبّ العبد لها، وامتثاله لأمر الله تعالى بأدائها، يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، في هذه الآية يبين الله
تعالى أن الصلاة ثقيلة على المنافقين، أما الخاشعين فالصلاة خفيفة على قلوبهم،
يسارعون إلى أدائها بحب وراحة قلب؛ ذلك أن الخاشعين مستسلمين لله، منقادين له،
يتلذذون بالتذلل له عز وجل.
لذلك رأينا
القرآن الكريم يمتدح الخاشعين، ويبشرهم بالفلاح والفوز في الدنيا والآخرة؛ وذلك في
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وإن دلّ هذا المدح على شيء فإنما يدل على ما للخشوع
من أثر في الصلاة، وما له من أثر على المصلي نفسه، حتى أن الله تعالى لما استبطأ
خشوع صحابة رسول الله ﷺ عاتبهم على ذلك قائلاً: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)،
يعني ألم يحِن وقت خشوعهم وتقربهم من الله تعالى وتركهم الانشغال بالدنيا.
محل الخشوع:
ومحل الخشوع
القلب: ودليل ذلك الآية التي ذكرناها قبل قليل، وهي قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ
لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ
عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، فإن
الله تعالى قد ذمّ أهل الكتاب في آخر هذه الآية بأن قلوبهم قد قست وأنها لم تخشع
لله ولم تطمئن له، ولم تستسلم لإرادته.
ومن ذلك أيضًا
قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، فالآية تدل بوضوح على أن محل
الاطمئنان هو القلب، فالذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر لله، وتخشع له في كل موطن
يذكر به سبحانه وتعالى، ومن ذلك أيضًا ما ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه رأى رجلاً
يحرك ثيابه أثناء صلاته، فقال عليه الصلاة والسلام: "لو خشع قلب هذا لسكنت
جوارحه".
هذا وقد كان
النبي ﷺ من أحرص الناس
على الخشوع في صلاته، لذا كان من دعائه، "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا
يخشع"، حيث كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من عدم الخشوع، ويسأله أن
يعينه عليه، وألا يصرف قلبه عن الاطمئنان والتذلل لله تعالى.
فالخشوع إذًا
محله القلب، لكن قد ورد في القرآن الكريم أن الأبصار أيضًا تخشع، كما جاء في قوله
تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ
جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ}، وقوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}، وغير ذلك من
الآيات التي تضيف الخشوع إلى الأبصار، فإن هذه الآيات كلها في موضع الذم للذين
ينشغلون عن ذكر الله تعالى، ثم إنها تصور حالة هؤلاء يوم القيامة، حيث يكونون في
ذلك الوقت مطأطئي الأبصار إلى الأرض من الخزي والذل بسبب معاصيهم لله تعالى.
كيفية الخشوع:
وبعد هذا العرض
في بيان أهمية الخشوع ومعناه وحرص الرسول والمؤمنون عليه فإنه يجدر بنا الآن أن
نبين كيفية الخشوع في الصلاة فأقول:
قبل أن تدخل في
الصلاة عليك أن تستعد لها بالطهارة والغسل إن وجب عليك، أو الوضوء، وعليك عند
الوضوء أن تستحضر أنك تطهر نفسك استعدادًا للوقوف بين يدي الله تعالى، وأن تتذكر
أن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، حيث قال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ}، فيحرص على أداء وضوئه على خير وجه، وحبذا لو تدعو بعد
وضوئك بدعاء النبي ﷺ الذي
كان يدعو الله به بعد الوضوء: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا
عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين لا إله إلا أنت
سبحانك أستغفرك وأتوب إليك".
فإذا كان لم يدخل
وقت الصلاة بعد وكان لديك متسع من الوقت فبإمكانك أن تشغل نفسك بشيء من الذكر،
كقراءة القرآن أو التسبيح أو أيّ ذكر يخطر ببالك، فيساعدك ذلك على إبعاد الشيطان
عنك؛ فإن القلوب تطمئن بالذكر، لقول الله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، فإذا ما اطمأن قلبك تيسر لك أمور الخشوع، حيث الخشوع هو
اطمئنان القلب كما ذكرنا سابقًا.
ومما يزيد في
اطمئنان القلب وخشوعه الترديد وراء المؤذن عند الأذان للصلاة، ففي ذلك حضورُ
القلب، وتهيئة النفس للعبادة التي قد دخل وقتها.
ثم إذا ما أقبلت
على صلاتك فعليك أن تتذكر أولاً أنها صلة بينك وبين ربك، وأنك في صلاتك تقف بين
يدي الله تعالى، وأنك يجب عليك أن تحافظ على صلتك بالله تعالى أثناء الصلاة، وتحرص
على ألا تنقطع هذه الصلة؛ ذلك أن الصلاة في حقيقتها هي دعاء ورجاء رحمته، لله،
وليس من اللائق أن يقوم العبد ليدعو الله تعالى وقلبه منصرف عنه، إذ كيف يستجيب
الله تعالى دعاء من كان قلبه مشغولاً بسواه.
وهنا عليك أن
تختار مكانًا مناسبًا للصلاة؛ بحيث يكون بعيدًا عن الضوضاء التي تشغل بالك، فلا
تصلي في مكان فيه أناسُ يتجاذبون الحديث إن أمكن ذلك؛ بل احرص على مكان خالٍ من
الناس، ثم حاول أن يكون أمامك ما يمنع المرور من بين يديك فيشغلك بهذا المرور،
وذلك كأن يكون أمامك حائط، أو شيء يحول دون رؤيتك لمن يمرّ من أمامك.
وكذلك عليك أن
تتجنب الصلاة في مكان فيه مذياع أو تلفاز إن أمكنك ذلك؛ لأن هذه الأشياء تشد
انتباهك إليها وتشتت ذهنك فلا تخشع.
ومما يساعدك على
الخشوع الحرص على ألا يدافعك الأخبثان؛ (البول والغائط)؛ حيث إن مدافعتهما تصرفك
عن الخشوع، وكذلك عليك أن تحرص ألا تكون الصلاة بحضور الطعام، أو وأنت تشعر بالجوع
أو العطش، وفي هذا توجيه النبي ﷺ حيث
قال: "إذا حضر الطعام وقت العشاء، فقدموا العَشاء على العِشاء"؛ ذلك
لئلا ينشغل القلب بالطعام فيذهب الخشوع.
وبعد هذه التهيئة
النفسية يمكنك الآن أن تقف على سجادة الصلاة إذا كنت منفردًا، أو في الصف إذا كنت
في المسجد وتستحضر عظمة الله تعالى، ثم تقيم الصلاة، وتنوي أداءها لله تعالى،
وتكبر تكبيرة الإحرام، وتشرع في صلاتك.
وهنا عليك أن
تتدبر كل قول أو فعل من أقوال الصلاة وأفعالها، ويكون ذلك بقدر استطاعتك وفهمك،
فينبغي أن يحضر في قلبك معاني الفاتحة، وما تقرؤه بعدها من القرآن، ثم تتدبر معنى
الركوع لله تعالى، ومن ثمّ الاعتدال من بعده والحمد فيه، ثم تتدبر معنى السجود وما
يُقال فيه من التسبيحات، فتستحضر في قلبك كيف أنك تركع تواضعًا لله تعالى، ثم تذكر
أثناء هذا الركوع قولك سبحان الله العظيم، وكيف أنك تطأطئ لله ركوعًا ثم تعظمه
تسبيحًا، وكذا في سجودك عليك أن تتذكر أنك تضع جبهتك وأنفك أرضًا ثم تسبح الله
تعالى الأعلى، فيحضرك علو الله تعالى، وما أنت فيه من ذل حيث أنفك رمز الشموخ أرضًا
خضوعًا وخشوعًا لله تعالى.
وأخيرًا فإنّ مما
يساعدك على الخشوع أن تحاول أن تنوع في قراءة الآيات التي تقرؤها بعد الفاتحة، ولا
تقرأ نفس الآيات أو السور في كل صلاة، وكذلك عليك أن تسمع نفسك عند القراءة أو
التسبيح، حتى في الصلاة السرّية، على أن يكون ذلك همسًا، فكل ذلك يمنع قلبك من أن
ينشغل بشيء آخر غير الصلاة.
وبعد فإنني أرجو
أن أكون قد بينت لك كيف تخشع في صلاتك، مع الإشارة إلى أن ذلك يحتاج منك أولاً إلا
بل بعض الجهد حتى تعود نفسك على ما ذكرت لك، فإذا فعلت ذلك بعض الوقت وثابرت،
ومارسته وأنت حاضر الذهن فإن ذلك يصبح بالنسبة لك بعد وقت قصير شيء سهل لا يكلفك
كثيرًا من الجهد والتعب، وأسأل الله لك القبول والتوفيق.
روابط ذات صلة:
بين دوامة العمل ومسؤوليات بيتي.. كيف أخشع في صلاتي؟