ما معنى «تقليب القلوب» وكيف يحدث؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 5612
17/08/2026

أسمع كثيرا من الخطباء والعلماء قولهم إن الله عز وجل يقلب القلوب، والدعاء بيا مقلب القلوب. فما هو تقليب القلوب، وكيف يحدث ذلك؟

الإجابة 17/08/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وحرصك على فهم دقائق دينك وما يتصل بصلاح قلبك وإيمانك. أسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يشرح صدرك، ويثبت قلبك على الحق والهدى، وبعد...

 

فإن سؤالك مهم جدًّا، ويمس ركنًا أساسيًّا من أركان السلوك والتزكية؛ فالقلب هو ملك الأعضاء، وبصلاحه يصلح الجسد كله، وبفساده يفسد الجسد كله.

 

ماذا يعني تقليب القلوب؟

 

«التقليب» في اللغة والشرع هو التحويل والتغيير من حال إلى حال؛ كتحول القلب من الإيمان إلى الكفر والعكس، أو من المعصية إلى الطاعة والعكس، أو من الإقبال على الله إلى الجفاء والفتور والعكس. وقد سُمي القلب قلبًا لكثرة تقلبه وتغيره.

 

والله -سبحانه وتعالى- هو الذي يملك القلوب ويصرفها كيف يشاء بحكمته وعدله وفضله. قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: 110]. وقال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» [رواه مسلم].

 

وسألت أم سلمة -رضي الله عنها- النبي: يا رسول الله، وإن القلوب لتتقلب؟ فقال: «نَعَمْ، مَا مِنْ بَشَرٍ إِلا وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» [رواه الترمذي].

                                                       

كيف يحدث تقليب القلوب؟

 

تقليب القلوب لا يحدث عبثًا -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وإنما يجري وفق سُنتين إلهيتين ثابتتين قامت عليهما السماوات والأرض: سُنة الفضل، وسُنة العدل، وترتبطان ارتباطًا وثيقًا بإرادة العبد واختياره.

 

فتقليب الرحمة والفضل إلى الثبات والهداية، يحدث عندما يسعى العبد إلى إرضاء الله، ويبادر بالطاعة، ويتفقد قلبه بالاستغفار والانكسار بين يدي خالقه. فإذا علم الله من عبده الصدق، حوَّل قلبه من الخوف إلى الأمن، ومن الضلال إلى الهدى، ومن ثقل المعصية إلى التلذذ بالطاعة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].

 

أما تقليب العدل والعقوبة إلى الزيغ والانحراف، فيحدث عندما يصر العبد على المعصية، ويكابر أمام الحق، ويستكبر عن قبول النصيحة، أو يتساهل في الشبهات والشهوات. فالقلب هنا تُنكت فيه نكتة سوداء مع كل ذنب، حتى يغلفه الران. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5].

 

خواطر رحمانية وأخرى شيطانية

 

كما أن القلب تتعاقب عليه خواطر رحمانية وأخرى شيطانية، كما قال رسول الله: «إن للشَّيطانِ للمَّةً بابنِ آدمَ، ولِلمَلك لَمَّةٌ، فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتَكْذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ. فمَن وجدَ ذلِكَ فليعلم أنَّهُ منَ اللَّهِ، فليحمَدِ اللَّهَ، ومن وجدَ الأخرى فليتعوَّذ منَ الشَّيطانِ». ثمَّ قرأَ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [رواه الترمذي]. والتجاوب مع أي من اللمَّتين (الخاطرين) هو الذي يقلب كفة القلب نحو أحد الاتجاهين.

 

قصص وأمثلة توضح تقليب القلوب

 

عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خرج يحمل سيفه يريد قتل النبي، ولكنه لما سمع آيات من القرآن بقلب واعٍ متأمل، انقلب قلبه في لحظة واحدة من أشد أعداء الإسلام إلى فاروق هذه الأمة وحامي حماها!

 

قاتل المائة: أسرف على نفسه بقتل مائة نفس؛ لكن قلبه تحرك برغبة صادقة في التوبة، فصرف الله قلبه إلى الطاعة، ونقله من أرض المعصية إلى أرض الطاعة، وقرَّب الله له الأرض لتأخذه ملائكة الرحمة إلى الجنة.

 

بلعام بن باعوراء: كان من بني إسرائيل، آتاه الله من العلم والآيات الشريفة ما لم يؤتِ غيره، حتى قيل إنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وكان الناس يقصدونه وينتفعون بعبادته ودعائه. لكن لما أُرسل موسى -عليه السلام- أغراه قومه بالمال والجاه ليقف في وجه الحق ويدعو على نبي الله موسى، فضعف أمام شهوة الدنيا واتبع هواه، وانقلب قلبه، فانسلخ من دين الله وآياته، فسلبه الله العبادة والعلم ومات على الكفر والعياذ بالله.

 

- سَحَرة فرعون: عاشوا عمرهم كفارًا يخدمون طاغية، فلما رأوا الحق مع موسى -عليه السلام- ولامس الإيمان شغاف قلوبهم بصدق، تحولت قلوبهم، وخرُّوا سُجّدًا لله مؤمنين به، وتحول مصيرهم من النار إلى الجنة.

 

نصائح لحفظ القلب وثباته

 

1- الإكثار من الدعاء: اجعل دعاء «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» وردك اليومي في أوقات الإجابة.

 

2- صيانة الجوارح: القلب كالحوض تفيض فيه منافذ العين والأذن؛ فما تشاهده وتسمعه هو ما يقلب قلبك، فاحرص على غض البصر وحفظ الأذن عن الباطل والمعاصي.

 

3- البيئة الصالحة: الجليس الصالح يقلِّب قلبك نحو الخير، والجليس السوء يجر قلبك إلى الغفلة. قال تعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].

 

4- المبادرة بالتوبة والاستغفار: لا تترك الذنب يمكث في قلبك فتصعب إزالته؛ بل اغسله فورًا بالحسنة والاستغفار؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات.

 

5- تلاوة القرآن وتدبره: فالقرآن هو الشفاء والدواء الذي يعيد ترتيب أولويات القلب ويشفيه من الشبهات والشهوات. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57].

 

وختامًا أخي الحبيب، إن خوف المسلم من تقليب القلوب والحرص على نقاء قلبه وثباته على الحق هو بداية التوفيق. أسأل الله -جل وعلا- أن يثبت قلوبنا على الإيمان، وأن يصرفها إلى طاعته، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

هل للقلوب ذنوب؟ ولماذا هي أخطر من معاصي الجوارح؟

الرابط المختصر :