الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 4778
09/05/2026
السلام عليكم ورحمة الله.. أنا شاب (36 عامًا)، مع الأسف ارتكبت معاصي وذنوب كثيرة أستحي من ذكرها. نويت هذا العام أن أتوب وأسعى لأداء فريضة الحج، عسى الله أن يغفر لي ويعفو عني.
ولكني أشعر بعقدة ذنب تطاردني؛ فكلما هممت بالاستعداد للحج، وسوس لي الشيطان بأن مثلي لا يُقبل في رحاب الله، وأن الحج للطائعين لا للمذنبين أمثالي.
كيف أستحضر الرجاء في عفو الله وغفرانه لي بالحج، وأنا أشعر بأن صحيفتي سوداء؟
وكيف أنال في وعد النبي ﷺ بأنني سأعود كيوم ولدتني أمي؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مرحبًا
بك أيها الأخ الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله العظيم أن
يتقبل منك توبتك، وأن يغسل حوبتك، وأن ييسر لك حج بيته الحرام، ويجعلك من
المقبولين، وأن يبدلك بعد الكدر صفاءً، وبعد الذنب طهرًا وقبولًا، وبعد...
الندم أولى خطوات العودة
إن
ما تشعر به -أخي الحبيب- من ألم وحياء من الله هو في ذاته علامة من علامات
الإيمان؛ فالمؤمن يرى ذنبه كالجبل يوشك أن يقع عليه، بينما يراه غيره كذباب مَرَّ
على أنفه. والندم على إتيان الذنب هو بداية طريق التوبة والرجوع إلى الله.
إن
هذا القلق وهذا الخوف هما الوقود الذي سيحملك إلى رحاب بيت الله الحرام، وهو
البداية الحقيقية لفتح صفحة بيضاء مع الخالق سبحانه وتعالى. واعلم يا أخي أن الله
-عز وجل- لا ينظر إلى «سواد صحيفتك» بقدر ما ينظر إلى صدق إقبالك عليه، وقد قال
النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه، قال: «إذا تَقَرَّبَ العَبدُ
إليَّ شِبرًا تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإذا تَقَرَّبَ مِنِّي
ذِراعًا تَقَرَّبتُ منه باعًا، وإذا أتاني مَشيًا أتَيتُه هَرولةً» [متفق عليه].
الحج
ليس للطائعين فقط
أول
ما يجب أن تدركه -أخي الكريم- هو أن الشيطان -لعنه الله- يريد أن يملأ قلبك باليأس
من رحمة الله وعفوه. إنه الذي زيَّن لك الذنب بالأمس، وهو الذي يحاول اليوم أن
يغلق في وجهك باب التوبة. إن وسوسته لك بأن «الحج للطائعين فقط» هو فرية كبرى؛
فالحج في جوهره مطهرة للخاطئين المذنبين، وملاذ للخائفين، وجبر للمنكسرين.
يقول
الله -تعالى- في كتابه الكريم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ
أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. تأمل كيف
ناداهم بلفظ ﴿عِبَادِيَ﴾ رغم إسرافهم في الذنوب، ليطمئن قلوبهم بأن علاقة العبودية
له لم تنقطع بالمعصية.
كما
أن الله يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا، وقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ
قال: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ
أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ
وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ...» [رواه مسلم]. فإذا كان الخالق يفرح بعودتك،
فمن ذا الذي يملك أن يطردك من رحابه؟
كيف
تستحضر الرجاء في عفو الله؟
الرجاء
هو حسن الظن بالله، وهو المحرك للعمل. ولاستحضار هذا الشعور، تأمل فيما يلي:
1-
سعة رحمة الله: تذكَّر أن رحمة الله -جل وعلا- سبقت غضبه، وأنه
-سبحانه- غفر لرجل قتل مائة نفس بمجرد أنه عزم على التوبة وهاجر إلى أرض صالحة،
فكيف بمن يريد زيارة بيته الحرام تائبًا؟
2-
كرم المضيف: أنت في الحج «وافد» على الله، «ضيف» عنده جل
جلاله. والكريم لا يرد وافده، ويكرم ضيفه. وقد قال ﷺ: «الحُجاجُ والعُمَّارُ وفدُ
اللهِ، إن دَعَوْه أجابَهم، وإن استغفروه غفر لهم». [رواه ابن ماجة].
3-
إبدال السيئات حسنات: إن الله لا يمحو الذنب فحسب؛ بل من
كرمه أنه يقلب تلك الصحيفة السوداء إلى بيضاء مشرقة إذا صدقت التوبة، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الفرقان: 70].
كيف
تنال وعد النبي ﷺ؟
قال
النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «مَن حَجَّ للَّهِ فلَم يَرفُثْ،
ولَم يَفسُقْ، رَجَعَ كَيَومَ ولَدَتْه أُمُّه»، أي خالصًا من كل الذنوب
التي اقترفها طوال حياته الماضية قبل حجه. وهذا الوعد النبوي العظيم هو «الجائزة
الكبرى» التي يسعى إليها كل حاج، ولكي تنالها، عليك ما يلي:
-
الإخلاص والصدق: أن يكون دافعك للحج هو إرضاء الله وحده، والهرب
من ذنوبك إليه سبحانه، لا للمفاخرة والرياء، ولا لمجرد تسكين ضميرك.
-
التوبة النصوح قبل السفر: بعد ندمك، ابدأ في رد المظالم إن
كانت لأحد من الناس حقوق مادية أو معنوية عندك، واعزم عزمًا أكيدًا على عدم العودة
للذنوب، مع التخطيط لحياتك الجديدة بعد عودتك من الحج إن شاء الله تعالى، تخطيطًا
يجعلها قائمة على الالتزام بطاعة الله -عز وجل- وتجنب معصيته.
-
الحج المبرور: ويكون أولًا بتعلم فقه الحج وأحكامه الشرعية،
حتى تحج كما حج النبي ﷺ الذي قال: «خُذوا عَنِّي مناسكَكُم» [رواه أحمد]. ثم تجنب
«الرفث» الذي هو لغو القول والجماع ومقدماته، و«الفسق» وهو المعاصي والجدال
بالباطل. فإذا ملكت جوارحك ولسانك وقلبك في تلك الأيام المعدودات، فُتحت لك أبواب
الميلاد الجديد.
وختامًا
أخي الكريم، إن الحج ليس مجرد رحلة؛ بل هو هجرة من أدران وظلمات الذنوب والمعاصي
إلى نور ورحاب الله عز وجل؛ من نفس أمارة بالسوء، إلى نفس مؤمنة مطمئنة. فلا تلتفت
لوساوس الشيطان التي تحاول تذكيرك بالماضي لتُقعدك؛ بل اذهب وأنت موقنٌ بالقبول،
فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
أسأل
الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يكتب لك حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا
مغفورًا. اللهم طهِّر قلبه، واستر عيبه، واشرح صدره، واجعله من الذين يقال لهم في
عرفات: «انصرفوا مغفورًا لكم». اللهم اجعل هذه الرحلة بداية عهد جديد معه بطاعتك،
واصرف عنه وساوس الشيطان وهواجس النفس، إنك سميع مجيب الدعاء.
روابط
ذات صلة:
الحج المبرور ويوم عرفة.. أسرار وفضائل