كيف يعالج الدعاة ظاهرة الإسراف والتبذير في المناسبات الاجتماعية؟

Consultation Image

الإستشارة 07/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ومخططة اجتماعية في جمعية خيرية، وألاحظ في مجتمعنا ظاهرة خطيرة ومتنامية، وهي الإسراف والتبذير في المناسبات الاجتماعية، وخصوصاً في حفلات الأعراس، والولائم، والعزائم، والمناسبات الدينية كالعيدين وغيرها.

فأصبحت هذه المناسبات مجالاً للمباهاة والتفاخر والتنافس، حيث يبذل الناس مبالغ طائلة في الزينة والمواد الغذائية بكميات تفوق الحاجة بكثير، مما يؤدي إلى هدر كبير للموارد المالية، وتحميل الأسر أعباء ديون ثقيلة، وإثارة المشاعر السلبية بين الفقراء والأغنياء، مما يتناقض مع تعاليم ديننا الحنيف التي تحث على الوسطية والاعتدال، وتدعو إلى التكافل الاجتماعي وترشيد الإنفاق.

وسؤالي: كيف يمكننا كدعاة ومربين ومؤثرين في المجتمع أن نعالج هذه الظاهرة، وأن ننشـر ثقافة التبسيط والاعتدال في المناسبات الاجتماعية، وأن نوجه الناس نحو إنفاق أموالهم في وجوه الخير والبر، بدلاً من التبذير والإسراف؟

الإجابة 07/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أختي الكريمة، وبارك في جهودك المباركة، ونسأل الله أن يوفقك لما يحبه ويرضاه.

 

إن ما رصدته هو ظاهرة مرضية خطيرة تنخر في جسد المجتمع المسلم، وهي نتيجة طبيعية لضعف الوازع الديني، وسيادة ثقافة الاستهلاك المادية، والانبهار بالعادات الغربية، والابتعاد عن هدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْـرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْـرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31)؛ فالإسراف صفة مذمومة، وهو من أعمال الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 27).

 

ولمواجهة هذه الظاهرة، أقترح خطة دعوية متكاملة، على النحو التالي:

 

1. التوعية الدينية بخطورة الإسراف والتبذير: ابدئي بنشـر الوعي الديني حول خطورة الإسراف والتبذير، من خلال الدروس والمحاضرات والخطب، وبيّني الأدلة الشرعية التي تذم الإسراف، وتدعو إلى الوسطية والاعتدال، وتوضح أن المال الذي ينفق في الإسراف هو حق لله ورسوله وللمجتمع، وأن المسؤولية تقع على عاتق الأغنياء في إنفاق أموالهم في وجوه الخير، وليس في التبذير والإسراف، واشرحي معنى الحديث النبوي: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» (رواه النسائي وابن ماجه)، فالإسلام دين الوسطية، وهو ينهى عن الإسراف والتبذير وعن البخل والشح، ويدعو إلى التوسط بين ذلك كله.

 

2. تقديم البديل الجذاب والمبسط: لا تكتفي بالوعظ والنهي عن الإسراف، بل قدّمي البديل الجذاب والمبسط، من خلال تنظيم حفلات وولائم نموذجية في الجمعية، تكون بسيطة وميسرة التكاليف، ولكنها معبرة وجميلة، وتهدف إلى إظهار الفرح والسرور دون تكلف أو إسراف، لتكون قدوة عملية للناس، وتثبت أن التبسيط لا يقلل من قيمة المناسبة، بل يزيدها بركة، كما قال النبي ﷺ: «أَبْغَضُ النِّكَاحِ إِلَى اللَّهِ النِّكَاحُ الَّذِي يُكَلَّفُ فِيهِ النَّاسُ» (رواه الدارقطني)، وفي الحديث الآخر: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَئُونَةً» (رواه أحمد).

 

3. توعية فئة الشباب والشابات المقبلين على الزواج: استهدفي الفئات المقبلة على الزواج، من خلال تنظيم دورات تثقيفية لهم، حول كيفية التخطيط لحفل زفاف ميسر التكاليف، وكيفية إدارة الميزانية، وتجنب الديون، والتركيز على الجوهر وليس المظهر، وبيّني لهم أن الزواج الناجح هو الذي يقوم على المودة والرحمة والتفاهم، وليس على المظاهر الفارهة والأموال الطائلة، وكما كان النبي ﷺ يوصي بالزوجة الصالحة التي تعين زوجها على الخير، ولا تثقله بالمطالب المادية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ» (رواه أبو داود).

 

4. تحسين صورة التبسيط في الأذهان: اعملي على تغيير الصورة الذهنية السلبية عن التبسيط، وبيّني أن التبسيط ليس بخلاً أو تقتيرًا، بل هو حكمة ورشاد، وأنه يجلب البركة والرضا، وأن المناسبة الجميلة هي التي تسودها المحبة والألفة، وليس الكماليات المادية، وأن البساطة في المظهر والطعام تعكس التواضع والثقة بالنفس، وليس الضعف أو الفقر، واستشهدي بزواجات الصحابة والتابعين التي كانت بسيطة ومباركة.

 

5. تشجيع الأسر على التكافل الاجتماعي: شجّعي الأسر على تحويل جزء من المال الذي كان سينفق في الإسراف إلى وجوه الخير، مثل دعم المحتاجين والفقراء، والمشاركة في المشاريع الخيرية، وكفالة الأيتام، مما يضفي على المناسبة طابعًا روحيًّا وإنسانيًّا، ويحقق التكافل الاجتماعي الذي دعا إليه الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.

 

6. إشراك المجتمع في التوعية: تعاوني مع أئمة المساجد والخطباء، والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، والإعلاميين، لتكون هذه القضية محور اهتمامهم، وتنظيم حملات توعوية جماعية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشـر الوعي والقصص الإيجابية عن التبسيط والاعتدال، ليصل الصوت إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.

 

7. التعاون مع الجهات المعنية: لا تترددي في التعاون مع الجهات الرسمية، مثل وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية، واللجان الاجتماعية، لوضع ضوابط للمناسبات الاجتماعية، وتشجيع التبسيط من خلال القوانين والتشـريعات التي تحد من الإسراف، مثل فرض رسوم على الحفلات الفاخرة، أو تقديم حوافز للأسر الميسرة، وكل ذلك من شأنه أن يخلق بيئة داعمة للوسطية.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• تحلي بالصبر والأناة، وأنت تعلمين أن تغيير العادات والتقاليد الراسخة يحتاج إلى وقت وجهد كبير، ولكن بالاستمرار والصبر ستصلين إلى نتائج إيجابية.

 

• كوني قدوة حسنة في تبسيط مناسباتك الشخصية، ودعي الآخرين يحذون حذوك، وهذا أبلغ دليل على صدق دعوتك، وتذكري قول النبي ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري ومسلم).

 

وأسأل الله العظيم أن يبارك في جهودك، وأن يجعل عملك هذا سببًا في إصلاح المجتمع، وأن يوفق الناس إلى التمسك بالوسطية والاعتدال في كل شئونهم، إنه سميع مجيب.

 

روابط ذات صلة:

الزواج وحفلات الاستهلاك الاستفزازي

ترشيد الاستهلاك.. خلق نبيل ومسؤولية أسرية

كيف نعالج ظاهرة البذخ والتفاخر في المناسبات الدعوية النسائية؟

كيف تؤثر الرفاهية الاستهلاكية على حياتنا؟

التعليقات

الرابط المختصر :