الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 4586
16/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في مدينة متنوعة المشارب؛ فأحيانًا ألقي درسًا في مسجد بسـيط يرتاده العوام والبسطاء، وفي المساء قد أجلس في ندوة فكرية تضم أساتذة جامعات ومثقفين، كما أن جيراني في السكن من غير المسلمين الذين يسألونني أحيانًا عن الإسلام.
أشعر بارتباك في (تنميط الخطاب)؛ فأحيانًا أشدّد على العوام بما لا يطيقون، أو أخاطب المثقفين بلغة وعظية لا تقنع عقولهم، أو أفتقد الحكمة في محاورة المخالف.
كيف يرشدني (علم الدعوة) لتصنيف المدعوين؟ وما هي (اللغة الواصفة) المناسبة لكل فئة حتى لا أكون فتنة لهم؟ وشكر الله لكم جهودكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الداعية الحكيم.
ثم إن إدراك (الفروق الفردية) بين المدعوين هو أحد أهم أركان نجاح البلاغ؛ فالنبي ﷺ قال: (أُمِرنا أن ننزل الناس منازلهم). فالمدعو هو الركن الأساسـي الذي تكيَّف لأجله الوسـيلة والمنهج، وأن الخطاب الموحد لكل الفئات هو نوع من (الخرق الدعوي) الذي قد يفسد أكثر مما يصلح.
إليك المنهجية التفصيلية في التعامل مع فئات المدعوين، مستمدة من أصول البيان والدعوة:
أولاً: خطاب (العوام والبسطاء) (لغة التيسـير والمحبة): هذه الفئة تحتاج إلى (القلب) قبل (العقل):
1. وضوح العبارة وبساطة المفهوم: تجنب المصطلحات الكلامية المعقدة أو الخلافات الفقهية الدقيقة. وخطاب العوام يجب أن يركز على (أصول العبادات) و(فضائل الأعمال) والترغيب في الجنة بأسلوب قصصي مشوق.
2. الرفق والتحبب: عاملهم كوالد مشفق؛ فالعامي يتبع من يحب، والغلظة معه تصده عن أصل الدين.
ثانيًا: خطاب (النخبة والمثقفين) (لغة الحجة والبرهان): هذه الفئة لا تقبل (الوعظ المجرد)، بل تبحث عن (الفلسفة والعلة):
1. البيان العقلي والمقاصدي: ركز على (حكمة التشـريع) وربط الإسلام بقضايا العصـر (البيئة، حقوق الإنسان، الاقتصاد). وخطاب المثقفين يجب أن يتسم بـ (العمق المعرفي) والقدرة على تفكيك الشبهات بمنطق علمي سليم.
2. الندية لا الفوقية: حاورهم كشـريك في البحث عن الحقيقة، واستخدم لغتهم الأكاديمية لتقريب المفاهيم الشـرعية.
ثالثًا: خطاب (المخالفين وغير المسلمين) (لغة القسط والبيان): بناءً على معالم البيان الدعوي، يجب أن يقوم خطابك معهم على:
1. البحث عن المشتركات: ابدأ بما يتفق عليه البشـر (الأخلاق، الفطرة، توحيد الصانع).
2. المجادلة بالتي هي أحسن: ابتعد عن (التجريح) أو (التسفيه). وللعلم فإنَّ هدف الحوار مع المخالف هو (البيان) وليس (الانتصار)؛ فإذا شعر المخالف بصدقك وإنصافك، كان ذلك أسـرع لقلبه.
وأنصحك ختامًا بالآتي:
* كن (طبيبًا) للقلوب: الطبيب لا يعطي دواءً واحدًا لكل المرضى، والداعية كذلك يشخص حالة (المدعو) أولاً ثم يختار (الجرعة) المناسبة.
* استمع أكثر مما تتكلم: خاصة مع النخبة والمخالفين؛ ففهم (منطلقهم) الفكري يوفر عليك نصف مشوار الإقناع.
* التواضع هو (الجسـر): مهما علا علمك، تواضع للبسطاء، ومهما علا شأن الوجهاء، لا تداهن في الحق بوقار.
* الدعاء بالبصيرة: ردد دائمًا (اللهم ألهمنا الصواب في الجواب)؛ فالبيان رزق يقسمه الله على قدر الإخلاص.
وأسأل الله العظيم أن يرزقك الحكمة وفصل الخطاب، ويجعل لسانك بلسمًا للعوام، وحجة على المعاندين، ونورًا للمثقفين، ويوفقك لتنزيل الناس منازلهم كما يحب ويرضى.
روابط ذات صلة:
منهج دعوة المثقفين والأكاديميين بأسلوب غير تقليدي
كيف أجعل الخطاب الدعوي قريبًا من الناس محتفظًا بأصالته؟