الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 5672
23/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مدير تنفيذي لمؤسسة دعوية إقليمية، ونمر حاليًا بمرحلة إعداد الخطة الاستراتيجية والخمسية للمؤسسة. أواجه تحديًا كبيرًا مع بعض أعضاء مجلس الإدارة والداعمين؛ حيث يتجه رأي الأغلبية إلى تخصيص النسبة الأكبر من الميزانيات (تتجاوز 70%) لتشييد مقر رئيسي فاره، وتجهيز قاعات اجتماعات ومكاتب ذات تصميمات هندسية وأثاث باهظ الثمن بحجة "إبراز هيبة الدعوة وإبهار الضيوف والداعمين".
في المقابل، أرى أن هذا المنهج يلتهم الموارد المالية على حساب الأهداف الجوهرية كـ (تأهيل الدعاة، ورعاية الموهوبين، ودعم الأنشطة الميدانية، وإنتاج المحتوى العلمي). كيف أستطيع من خلال فقه التخطيط الدعوي التأصيل الشرعي والتاريخي لموقفي؟ وما هي القواعد العملية لإقناع صناع القرار بإعادة توجيه البوصلة نحو الاستثمار في "الإنسان" بدلاً من التوسع في "البنيان"؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها القائد الدعوي المسدد، وبارك الله في حرصك على
أمانة الموارد وتوجيهها في مصارفها الشرعية الرشيدة.
إن التحدي الذي
تخوضه يعكس أزمة حقيقية في "فقه الأولويات الدعوية"؛ حيث تُستبدل المظاهر
بالأصول، وتُقاس قوة المؤسسات بحجرها ورخامها لا بفيض علمها وأثر دعاتها. إن بناء
المقرات والتجهيزات مطلوب بالقدر الذي يحقق الكفاية والوظيفية، ولكن التوسع فيه
حتى يتحول إلى بذخ وتزييف للهيبة هو انحراف عن خط التخطيط النبوي المحكم.
ولتقديم طرح علمي
وعملي يُقنع مجلس الإدارة ويصحح المسار، أنصحك بالاستناد إلى المحاور التالية:
أولاً: الاعتبار
التاريخي والسنن الكونية
قدم لأعضاء
المجلس دراسة تاريخية موجزة تعكس شؤم الاستغراق في العمران على حساب بناء الرجال:
1. الدرس
الأندلسي العظيم: ذكّرهم بأنه عندما انشغلت دول الإسلام في
الأندلس ببناء القصور الباذخة والتنافس في تزيين المساجد بذهب الفسيفساء والمرمر
وشغل ثلث إيرادات الدولة لسنوات طويلة في العمران الفاره، أدى ذلك إلى ضعف الأمة
وتخدير همم الرجال، فسقطت تلك الحواضر مجتمعة. إن التاريخ يعلمنا أن "الجدران
الفاخرة لا تحمي العقائد الشاحبة".
2. سنة الله في
المترفين: استشهد
بقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}
[الإسراء: 16]. إن تحول المؤسسات الدعوية إلى بيئات مترفة يخرجها عن روح الرسالة،
ويجعلها عرضة للضمور والزوال تبعا للسنة الكونية.
ثانيًا: التأصيل
الشرعي لأولويات التخطيط (بناء الإنسان قبل البنيان)
1. النموذج
النبوي: بيّن
لهم أن النبي ﷺ ينطلق في معجزة التغيير الحضاري من "دار الأرقم بن أبي الأرقم"
-وهي بيت بسيط جدًّا- ومن "مسجد السعف والجريد"، ولكنه صنع فيهما عظماء
الرجال كأبي بكر وعمر ومصعب بن عمير. إن العصر الذهبي للإسلام بُني بردم الفجوات
المعرفية والإيمانية لا بزخرفة المكاتب.
2. فقه الأمانة
المالية: إن
أموال التبرعات والدعم الدعوي هي أموال أوقفت لنشر الدين وزكاة النفوس؛ وصرفها في
تحسين الديكورات ورفع مستوى الرفاهية فوق حد الحاجة هو نوع من التبذير وإضاعة
الأمانة؛ قال ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ
يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
الجَنَّةَ» (متفق عليه).
ثالثًا: خطة
التخطيط المالي والمؤسسي البديلة
1. قاعدة (المقر
الخدَمي الوظيفي): اقترح معيارًا إداريًّا ينص على أن يكون
المقر "عمليًّا، نظيفًا، مجهزًا تقنيًّا، وبعيدًا عن الفخامة
والمباهاة". واعتمد المبدأ الإداري الشهير: الشكل يتبع الوظيفة الدعوية.
2. اعتماد مصفوفة
نسب الإنفاق (70/30): ضع مقترحًا مائلاً يعكس عكس النسبة
الحالية: 70% من الميزانية تُوجّه للمشاريع المباشرة (تأهيل الدعاة، صناعة
المحتوى، الدعوة الميدانية، الأبحاث)، و30% فقط للمصاريف التشغيلية والمقرات.
3. لغة مؤشرات
الأداء: خاطب
مجلس الإدارة باللغة التي يفهمونها؛ بيّن لهم أن عائد الاستثمار الدعوي لا يُقاس
بإعجاب الزائر بأثاث المقر، بل بعدد الدعاة المؤهلين، والشباب المحصنين ضد
الشبهات، والمهتدين الجدد. قدم لهم أرقامًا تقارن بين أثر بناء مقر فاره، وبين أثر
تأهيل 500 داعية بنفس التكلفة.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• العرض المقارن: أعد
عرضًا مرئيًّا جذابًا يعرض نماذج لمؤسسات عالمية نجحت بمقرات بسيطة وأثر هائل،
مقابل مؤسسات أنفقت ملايين على الشكليات وكانت مخرجاتها صفرية.
• الدعاء
والتضرع: سل
الله أن يرزقك السداد في القول، وأن يفتح قلوب أعضاء المجلس للحق وصواب الرأي.
وأسأل الله
العظيم أن يمدّك بالتوفيق والحكمة، وأن يجعل تخطيطكم مبنيًّا على تقوى من الله
ورضوان، وأن ينفع بكم الأمة.
روابط ذات صلة: