الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 5383
21/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا رئيس مجلس إدارة شبكة قنوات وإذاعات إسلامية في مجتمع منفتح، نواجه إشكالاً حادًّا يهدد مسيرتنا الإعلامية؛ حيث نقع دائماً تحت طائلة النقد اللاذع من بعض النخب الدعوية كلما حاولنا تقديم برامج حوارية أو ترفيهية منضبطة كبديل للإعلام الهابط.
على سبيل المثال: حين ننتج برامج مسابقات أو أعمالاً درامية هادفة تراعي الضوابط الشرعية الكلية لانتشال الشباب من القنوات المبتذلة، تُجابه برامجنا بالتحريم والتشديد والإنكار بسبب تفاصيل فقهية فرعية ومسائل خلافية جزئية، كوجود مؤثرات صوتية طبيعية أو ظهور مرن لبعض الشخصيات بلباس محتشم.
هذا الإنكار الجاف يغفل كليًّا فقه الموازنات ويجعلنا عاجزين عن تقديم "البديل الإسلامي الجاذب"، ممَّا يدفع ملايين الشباب والفتيات للهروب إلى القنوات الغربية والترفيهية المفتوحة التي تدمر قيمهم وعقائدهم بالكامل.. كيف يمكن تعزيز الفكر المقاصدي وفقه الموازنات لدى الطيف الدعوي لإدراك أهمية صناعة البدائل في عصر الهيمنة الإعلامية؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكم أيها الفاضل، وبوركت جهودكم الكبيرة وثغركم
الإعلامي الحساس الذي تذودون من خلاله عن حياض القيم والأخلاق.
ثم إنَّ الأزمة
التي طرحتموها تكشف عن معضلة منهجية قائمة في بعض الأوساط الدعوية، وهي غياب الغوص
في "مقاصد الشريعة الإسلامية" وفقدان الموازنة الدقيقة بين المصالح
والمفاسد في العمل الميداني، والوقوف عند ظواهر النصوص والجزئيات الفقهية دون
التفات إلى الكليات والمآلات التي تؤول إليها الأحكام والتصرفات.
إنَّ الشريعة
الإسلامية الغراء بُنيت أحكامها وتصرفاتها على مقصد عظيم، وهو تحصيل المصالح
وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، قُدم أعلاها
وأهمها؛ فالقاعدة الأصولية المستقرة تنص على أن "ارتكاب أخف الضررين لتفادي
أعظمهما مسلك شرعي واجب".
وتأمَّل -أخي
الكريم- كيف تعامل النبي ﷺ مع واقع مجتمعه في مكة والمدينة؛ ففي قصة بناء الكعبة،
قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ
بِجَاهِلِيَّةٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَلَبَنَيْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ
إِبْرَاهِيمَ» [متفق عليه]؛ فقد ترك ﷺ مصلحة معتبرة وهي إعادة بناء الكعبة على
قواعدها الصحيحة، لتفادي مفسدة أعظم وأكبر وهي نفور قلوب قريش وحديثي العهد
بالإسلام.
والعمل الإعلامي
والدعوي اليوم يعيش في بيئة مفتوحة تُقصف فيها عقول الشباب بالشهوات والشبهات ليل
نهار؛ وإنَّ تحريم البدائل الترفيهية والتثقيفية المنضبطة بحجة وجود "مخالفة
جزئية مغتفرة في جنب المصالح الكبرى" هو دفع للشباب نحو الارتماء الكامل في
مستنقع الانحلال، وهو تفريط بمقصد حماية الدين والنفس والعقل.
إن الواجب
المنهجي والتخطيطي اليوم يفرض الانتقال من عقلية "المنع والتجريم
المطلق" إلى عقلية "البناء وصناعة البدائل المتدرجة"؛ فالإنسان
مجبول على حب الترفيه والترويح والمحاكاة البصرية، وإن طرد الخبيث من واقع الناس
لا يتم إلا بنشر الطيب والبديل الجاذب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[الأعراف: 32].
والخطاب الدعوي
الرشيد هو الذي يزن الأمور بميزان مآلات الأفعال؛ فوجود برنامج ترفيهي أو درامي
يحفظ هوية الشاب المسلم وأخلاقه بنسبة ثمانين بالمئة، خير بآلاف المرات من تركه
لإعلام يفسد عقيدته وأخلاقه بنسبة مئة بالمئة؛ فهذا هو فقه الموازنات الحقيقي الذي
كان عليه سلف الأمة وعلمائها الراسخون.
ومن الناحية
المنهجية والعملية لتجاوز هذه العقبة في شبكتكم الإعلامية، نقترح الآتي؛
أولاً: تأسيس
"هيئة استشارية مقاصدية داخل الشبكة" تضم علماء فقه وأصول راسخين يجمعون
بين فقه النص وفقه الواقع الإعلامي، لتكون قرارات الإنتاج مدعومة بفتوى شرعية
مؤسسية متينة ترفع الحرج عنكم أمام الجمهور والمنتقدين.
ثانيًا: تنظيم
"ندوات ومؤتمرات تخصصية حول فقه الإعلام والبدائل الدعوية" يُدعى إليها
أولئك المشايخ والدعاة المعترضون؛ ليتصوروا حجم الفساد الإعلامي المعاصر الموجه
للشباب، ويدركوا بالأرقام والإحصائيات أهمية وصعوبة صناعة المادة الإعلامية
البديلة؛ فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
ثالثًا: التدرج
في رفع جودة الإنتاج الفني والشرعي معًا، والحرص على صياغة المحتوى بذكاء
واحترافية عالية تجمع بين الجاذبية البصرية وبين السلامة الشرعية، حتى تضيق مساحات
النقد والاعتراض وتفرض المادة المبدعة نفسها على الميدان.
وختامًا
أنصحك بالآتي:
• لا تلتفت إلى
النقد المتشنج الذي يصدر عن عدم تصور للواقع أو جهل بآليات الإنتاج الإعلامي،
وامضِ في طريقك مستصحباً النية الصالحة في حماية عقول الشباب المسلم.
• احرص في برامجك
البديلة على ألا تقترب من "القطعيات والمسلمات الشرعية"، واجعل حركتك
وتيسيرك محصورًا في مساحات العفو والظنيات والمسائل الخلافية التي يسوغ فيها
الاجتهاد ومراعاة المآل.
• افتح باب
الحوار الدائم والرفيق مع الدعاة والمربين المعتدلين، واطلب منهم تقديم أفكار
ومقترحات لبرامج بديلة يرتضونها، لتتحول العلاقة من التصادم إلى التعاون والتكامل.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يسدد خطاكم، وأن يمنحكم البصيرة والحكمة في إدارة هذا
الثغر الإعلامي المبارك، وأن يجعل إنتاجكم حرزًا وأمانًا لشباب الأمة من كيد
المفسدين، ويرزقكم القبول والإخلاص في القول والعمل.
روابط ذات صلة:
الداعية والإعلام الجديد.. كيف أحفظ دَعوتي من زلّات ردود الفعل؟