الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : المهتدون الجُدد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5682
24/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في مركز لرعاية وتأهيل المهتدين الجدد في إحدى الدول الغربية. نقتبس الكثير من النجاحات بفضل الله في هداية مئات الأشخاص الذين يدخلون الإسلام عن قناعة بعظمته وروحانيته وبساطته الأخلاقية.
لكننا نواجه عقبة كؤودًا تُحدث صدمة إيمانية وفكرية لدى الكثير من هؤلاء المهتدين؛ فبعد إسلامهم، وحين يخالطون الجاليات المسلمة أو يزورون بعض الدول الإسلامية، يصدمون بمظاهر الترف الفاحش، والتبذير الهائل في الأعراس والمناسبات، والتنافس المادي المقيت، وازدراء الفقراء لدى بعض المسلمين.
يأتيني المهتدي متسائلاً بذهول: "هل هذا هو الإسلام الذي يدعو للزهد والمواساة والعدالة؟ ولماذا يتصرف المسلمون بعكس ما قرأناه في القرآن وسيرة الرسول؟". كيف أحمي الوعي الإيماني للمهتدي الجديد ضد هذه الفجوة بين "مثالية الدين" و"واقع المنتسبين إليه المترفين"؟ وما هي الإجراءات العملية لبناء حصانة إيمانية صلبة تثبتهم على الحق؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الأخ المرابط في ميدان هداية النفوس، وجزاك
الله خيرًا على هذا الوعي الدعوي العميق.
لقد شخّصت تحديًا
من أعقد التحديات في دعوة المهتدين الجدد؛ وهو "التناقض السلوكي" بين
الصورة المشرقة للإسلام وبين التطبيق المائل للبعض ممن غرقوا في بؤر الترف
والمدنية المصطنعة. إن المهتدي الجديد يدخل الإسلام وهو يتطلع لروحانيته وبساطته،
فإذا صُدم بالمظاهر المادية الباذخة، خِيف عليه من النكوص أو الاهتزاز العفوي.
ولبناء جدار
حماية وقائي وتأسيسي لهؤلاء المهتدين، أنصحك باتباع الخطة التالية:
أولاً: التأسيس
للمفهوم (الفصل بين الدين وسلوك التدين)
عليك غرس القواعد
المعرفية التي تفصل بين معصومية المنهج وبشرية المنتسبين:
1. قاعدة (الحق
يُعرف بنفسه لا بالرجال): علّم المهتدي منذ يومه الأول أن الحجة هي
في القواعد الشرعية التي جاء بها القرآن والسنة، وليست في أفعال المسلمين
المعاصرين. إن المسلمين بشر يصيبون ويخطئون، وبعضهم ابتلي بآفات الحضارة والمادية؛
قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرِ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ} [الأنعام: 116].
2. تأصيل بيئة
التكليف لا البيئة المثالية: وضّح له أن المجتمعات الإسلامية ليست
مجتمعات ملائكية، بل هي ميادين ابتلاء يقع فيها الطائع والمقصر والمترف والمتواضع،
وأن سلوكيات الترف هي معصية وهوى يخالف صريح القرآن وليست ممثلة للدين.
ثانيًا: تقديم
النماذج التاريخية والواقعية المشرقة
لا تترك ذهن
المهتدي فارغًا ينطبع بالنماذج السيئة، بل امقَت تلك الصور بالبدائل المضيئة:
1. سيرة النبي ﷺ
والصحابة في الزهد: ركّز في مناهج تعليمهم على العيش البسيط
للنبي ﷺ؛ كيف كان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، وكيف كان يمر عليه الشهر
والشهران ولا يوقد في بيته نار، وكيف عاش أبو بكر وعمر بالرغم من تدفق غنائم
الفتوحات. أطلِعهم على نموذج سفيان الثوري وإبراهيم الحربي وعلمهم أن هذا هو الروح
الحقيقي للإسلام.
2. إبراز القدوة
الواقعية المعاصرة: ربط المهتدين الجدد بعائلات مسلمة تتميز
بالتواضع، والبساطة، والبذل، وحسن الأخلاق. إن رؤية نموذج مسلم واحد يعيش القناعة
ويخدم الفقراء يمحو أثر العشرات من المترفين العابثين.
ثالثًا: خطوات
دعوية وتربوية لحماية وعي المهتدي
1. التدرج في
الدمج المجتمعي: تجنب إقحام المهتدي الجديد في التجمعات الضخمة
والمناسبات الاجتماعية العامة (كالأعراس الفارهة) في بداية إسلامه. اجعل اندماجه
يتم عبر بيئات دعوية وتربوية مصفاة تتسم بالعمق الإيماني والأخوة الصادقة.
2. التوجيه
للمشاركة في العمل الإغاثي: أشرِك المهتدين الجدد في مشاريع الجمعيات
الخيرية والأنشطة الإغاثية التي تنظمونها لتوزيع المساعدات على المحتاجين في
العالم الإسلامي أو المحلي. هذا يربطهم بالرسالة العملية للإسلام في مواساة
الضعفاء ويكشف لهم المظهر الناصع للأمة.
3. تزويدهم بـ
(دليل الشبهات السلوكية): صمم كتيبًا أو دورة قصيرة بعنوان:
"كيف تفهم سلوكيات المسلمين المعاصرين؟"، تتناول فيه بجلاء آفات كالترف،
والطبقية، والقصور الحضاري، وتبين كيف عالجها الإسلام وحذر منها.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• المتابعة
الفردية والاحتواء: كن قريبًا من المهتدي، واستمع لتساؤلاته بصدر رحب دون نهر
أو استهانة بصدمته النفسية.
• ترسيخ الدعاء
بالثبات: علمهم دائمًا دعاء النبي ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى
دِينِكَ»، واستحضار أن الاستقامة على الحق جهاد شخصي.
أسأل الله العلي
القدير أن يثبت بك المهتدين، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يطهر مجتمعات المسلمين
من داء الترف، ويجمعنا على صراطه المستقيم.
روابط ذات صلة: