الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5528
05/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مشرف النشاط والتوعية الإسلامية في مجمع تعليمي ثانوي يضم آلاف الطلاب، أواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في "ضعف الفاعلية وغياب الجاذبية في الأنشطة الدعوية والقيمية داخل المدرسة".
والمشكلة تكمن في أن برامج التوعية الإسلامية لا تزال محصورة في جماعة مصلى المدرسة التقليدية، وإلقاء كلمات إذاعية صباحية مكررة لا يستمع إليها الطلاب، أو إقامة مسابقات حفظ نصوص دون تحويلها إلى حركة وممارسة؛ في المقابل تنتشر بين الطلاب ظواهر التنمر، والغش، وضياع قيمة الوقت، والتعلق الأعمى بمشاهير السوء في وسائل التواصل.
حين نطلب من إدارة المدرسة والمعلمين دعم أنشطة قيمية إبداعية، نجد ضعفًا في التفاعل واقتصارًا على الحصص المنهجية الجافة خوفًا من ضياع وقت المناهج. كيف نطور وسائل الدعوة التعليمية داخل المدارس لغرس القيم بذكاء وجاذبية؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها المربي الفاضل والداعية المبارك.
إنَّ تشخيصك لضعف
فاعلية الأنشطة القيمية في المدارس يمس أخطر الميادين الدعوية على الإطلاق؛
فالمدارس هي معامل صناعة العقول والنفوس، وإذا تحولت إلى مجرد حشو معرفي للمعلومات
دون بناء متين للقيم والأخلاق، خرجنا للمجتمع كفاءات مشوهة تملك العلم وتفتقر
للأمانة والإتقان، وهو دمار للأمم.
إن المنهج
الإسلامي في التربية والتعليم يقوم على تقديم التزكية والأخلاق على محض العلم
المعرفي؛ كما وصف الله وظيفة النبي ﷺ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي
الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، فالتزكية (وهي البناء
القيمي والسلوكي) مقدمة في الرتبة على العلم بالقرآن والسنة؛ وتأمل كيف كان النبي
ﷺ يغتنم المواقف اليومية البسيطة داخل بيئة التعلم لغرس قيم الانضباط والمسؤولية؛
فحين رأى يد عمر بن أبي سلمة تطيش في الصحفة قال له برفق تربوي آسر: «يَا
غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» [متفق
عليه].
إنَّ حصر الدعوة
المدرسية في زاوية المصلى الضيقة وترك بقية البيئة المدرسية تعاني من التآكل
القيمي هو خطأ استراتيجي في إدارة الميدان التعليمي.
إنَّ التجديد
يفرض علينا التحول من عقلية "المواعظ الإذاعية المباشرة والمملة" إلى
مربع "التربية بالقيم الجاذبة والممارسات الميدانية"؛ بحيث تتدخل القيم
في ثنايا الأنشطة الرياضية، والمسابقات الفنية، والتعاملات اليومية داخل الفصول
بذكاء وإبداع.
ولتحقيق
هذا الهدف في مجمعكم التعليمي نوصي بالآتي:
أولاً: إطلاق
"حملات القيم الشهرية المركزة"؛ بحيث تتبنى المدرسة بأكملها (المدير،
المعلمون، الإذاعة، الجدران) قيمة واحدة طوال الشهر (مثال: شهر قيمة الإتقان، شهر
قيمة حفظ اللسان من التنمر، شهر قيمة احترام النظام)، وتُصاغ الرسائل بأسلوب بصري
حديث.
ثانيًا: تفعيل
أسلوب "التعلم باللعب والمحاكاة والمشاريع"، من خلال تنظيم دوريات
رياضية تُحسب فيها النقاط بناءً على "الخلق الرياضي والروح العالية"
بجانب الأهداف، وإقامة مسرحيات طلابية قصيرة تعالج ظاهرة الغش والتنمر بأسلوب
كوميدي هادف من صنع الطلاب أنفسهم.
ثالثًا: تأسيس
"نادي صناع التطوع المدرسي"؛ وهو فريق طلابي يقوده الطلاب المتميزون
يقوم بمبادرات لإصلاح جدران المدرسة، تشجير الفناء، أو زيارة المرضى في
المستشفيات، ليتشرب الطلاب قيم البذل والمسؤولية المجتمعية عمليًّا لا نظريًّا.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• اعقد جلسة
تنسيقية مع معلمي المواد العلمية والأدبية، لدمج رسائل قيمية سريعة (لمدة دقيقة)
في ثنايا حصصهم (مثال: ربط عظمة خلق الكون في حصة العلوم بعظمة الخالق).
• احرص على إلغاء
أسلوب العقاب الجاف للطلاب المخالفين، واستبدل به "خدمات مجتمعية داخل
المدرسة" (كالقراءة في المكتبة أو زراعة الحديقة) لبناء السلوك بدلاً من
العناد.
• لا تتردّد في
استخدام وسائل التواصل الخاصة بأولياء الأمور لإرسال بطاقات توعوية سريعة تضمن
تكامل الرسالة القيمية بين المدرسة والمنزل.
وأسأل الله
العظيم أن يبارك في غرسكم التربوي، ويجعل هؤلاء الطلاب قادة للخير، وبناة لحضارة
الإسلام بوعي وإتقان.
روابط ذات صلة:
كيف يغرس الداعية ثقافة الإتقان عند الشباب؟
كيف يغرس الداعيةُ في الشباب روحَ المسؤولية الوطنية والريادة؟