الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5922
22/09/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مدير ومنسق لمجموعة حوارية ودعوية كبرى على منصات التواصل الاجتماعي (تلغرام وغيرها)، تعنى بالرد على الإلحاد والشبهات ومناظرة المخالفين. ألاحظ في الفترات الأخيرة تحول بعض هذه المساحات الحوارية إلى بيئة مشحونة بـ (الجدل العقيم، والمراء، والسباب المتبادل، وتتبع العورات).
أصبح بعض الشباب والمنتسبين للدعوة يمارسون "المناظرة الرقمية" كنوع من الاستعراض اللفظي والتقزيم الشخصي للخصوم، بدلاً من التحلي بهداية الخلق وتبشيرهم بالحق. والمؤسف أن هذا الأسلوب المنحرف أدى إلى صدمة بعض المتابعين وهروب المترددين عن الدين، فضلاً عن قسوة القلوب التي أصابت الشباب المشاركين في هذه السجالات اليومية.
فكيف أستطيع كمسؤول وموجه رقمي أن أضع "ميثاقًا أخلاقيًّا وشرعيًّا" يضبط حركة المناظرات الدعوية عبر الشبكات؟ وكيف نحمي شبابنا من آفة "حب الجدل والمراء" ونعيد الممارسة الحوارية إلى مقاصدها الشرعية القائمة على الحكمة والرحمة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخي الفاضل، وجزاك الله خيرًا على غيرتك المعبق
بالوعي وحرصك على تطهير الساحة الدعوية من آفات الجدل.
إن مناظرة
المخالفين والرد على الشبهات هي فرض كفاية لحراسة الدين، غير أن تحول الحوار
الدعوي إلى مجرد "مراء واستعراض وهجوم شخصي" يفقد العمل بركته ويقلبه من
باب للهداية إلى باب للفتنة والصد عن سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾.
ولضبط أخلاقيات
الحوار والمناظرات الرقمية، نوصي بإقرار وتطبيق المنظومة التالية:
أولاً: إعادة
تأصيل (مقصد الحوار والتحذير من المراء):
يجب غرس الضوابط
الشرعية التي تفرق بين "المجادلة بالتي هي أحسن" وبين "المراء
المحرم":
1. الداعية مصلح
وليس خصمًا: المقصد الأول من المناظرة هو استنقاذ المخالف وهدايته، وليس إفحامه
وهزيمته نفسيًّا أمام الناس. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
2. وعيد المراء
وقسوة القلوب: التذكير بالحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال:
(أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ
كَانَ مُحِقًّا). فالتمادي في الجدل لمجرد الغلبة يورث قسوة القلب والرياء وانتصار
النفس.
ثانيًا: إقرار
(ميثاق الشرف الحواري الرقمي):
تضمين قواعد
إدارية وصارمة داخل المجموعات والمنصات الحوارية:
1. منع التعيير والسباب الشخصي: حظر أي
استخدام للألفاظ الجارحة، أو السخرية من شكل الخصم أو جنسيته، أو استخدام الألقاب
المهينة. متى ما مال الحوار إلى التشخيص، يجب إغلاق المساحة فورًا.
2. اشتراط
الأهلية العلمية: يمنع منعًا باتًّا تصدير الشباب حديثي العهد بالعلم لمناظرة
الملاحدة أو الخصوم؛ فالمناظرة تحتاج لعلم رصين وثبات نفسي، ومن لا يملك الأهلية
يورد نفسه والناس موارد الهلكة.
3. الانضباط
بموضوع الحوار: حصر المناظرة في نقطة محددة ومنطقية، ومنع الخصم أو المحاور المسلم
من الاستطراد والتشتت وشخصنة القضايا.
ثالثًا: التحول
نحو "الخطاب البنائي البليغ":
1. تغليب
"صناعة المحتوى الهادي": تقليل شأن "المناظرات المباشرة
الصاخبة"، والاستعاضة عنها بإنتاج مقاطع وأوراق علمية تشرح الحق بهدوء وتفكك
الشبهة بأسلوب عقلاني راقٍ دون حاجة للصدام اللفظي.
2. تصفية البيئة
الرقمية والمراقبة: تعيين مشرفين عقلاء يتسمون بالحلم والانضباط النفسي لقطع
خطابات الكراهية وطرد المشاغبين الذين يسعون لإشعال الفتن.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• تنظيم دورات في
"أدب الحوار والمناظرة": فرض دورات في الآداب الشرعية والتزكية لكل شاب
يرغب في المشاركة في المجموعات الدعوية.
• الوعي بـ
"تكتيكات الإثارة الرقمية": تنبيه الشباب إلى أن بعض الخصوم يتعمدون
السخرية والكر لجر المسلم للإساءة لتشويه صورة الخطاب الدعوي.
• التضرع بالدعاء
بالإخلاص: ذكّر نفسك والشباب دائمًا بالدعاء: اللهم اهدنا واهدِ بنا، واجعلنا سببًا
لمن اهتدى، ونقِّ قلوبنا من الرياء والعجب.
وأسأل الله عز
وجل أن يبارك في منصتكم، وأن يرزقكم الحكمة والسداد، وأن يجعل حواراتكم خالية من
الجدل، مليئة بنور الهداية والتيسير.
روابط ذات صلة:
ضوابط المناظرة وأدب الحوار مع الآخر
مهارات المناظرة والرد على الشبهات