الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 5703
26/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بارك الله في أوقاتكم وعلمكم.
أنا داعية أمارس نشاطي الدعوي في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية المرموقة، وألتقي بكثرة بشريحة كبار رجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال. يتقطع قلبي حين أرى كثيرًا من هؤلاء الفضلاء يقضون أعمارهم وأوقاتهم في تنمية ثرواتهم وتكثير أرقام حسابتهم، بينما هم غافلون عن الحق العظيم الذي افترضه الله عليهم في هذه الأموال لدعم دينهم وأمتهم.
ألاحظ أن معظمهم يكتفي بتقديم صدقات يسيرة أو زكوات تقليدية لإبراء الذمة، دون أن يحملوا "همّ النصرة والاستخلاف المالي" أو يتبنوا مشاريع حضارية ودعوية كبرى تغير واقع المسلمين. والإشكال الأكبر أن التعامل معهم يحتاج إلى خطاب متميز جدًّا؛ يتجاوز لغة الشحاذة أو العاطفة المجردة إلى خطاب يستوعب عقليتهم الاستثمارية ويخاطب أشواقهم الإيمانية.
كيف أستطيع وضع "منهجية دعوية متخصصة" لدعوة رجال الأعمال، وتعميق مفهوم "المال مال الله"، وتحويلهم من مجرد متبرعين عاديين إلى "شركاء وحماة للرسالة الدعوية"؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الأخ الموفق المسدد، وجزاك الله خيرًا على
ارتياد هذا الثغر الدعوي الاستراتيجي البالغ الأهمية.
ثم إن رجال
الأعمال وأصحاب الأموال هم من مفاتيح التأثير الكبرى في الأمة؛ وبصلاحهم واستحياء
إيمانهم تُفتَح أبحاث ودعوات ومؤسسات تعجز عنها جهود آلاف الأفراد. إن النظرة
القاصرة لرجال الأعمال على أنهم مجرد "دفاتر شيكات" يجب الصياح عليها
للتبرع هي خطأ دعوي جسيم؛ بل الواجب هو معاملتهم كـ "دعاة وبناة حضارة
بأموالهم"، واستنقاذ قلوبهم من فتنة المال والشغف بالدنيا إلى الشغف بمرضاة
الله وتخليد الأثر.
ولبناء خطاب دعوي
مؤثر وموجه لشريحة المستثمرين ورجال الأعمال، أنصحك بالمسارات التالية:
أولاً: التأصيل
الشرعي لربانية المال ومفهوم الاستخلاف
1) غرس
عقيدة الاستخلاف المالي: التذكير الدائم بالمنظور القرآني الفذ
للمال: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، وقوله
تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم
مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]. فالمال في حقيقته ليس ملكًا شخصيًّا محضًا،
بل هو وديعة واختبار من الله ليقيس فيه صدق العبودية.
2) استحضار
النموذج الصحابي لرجال الأعمال: التأكيد على النموذج الفذ لصحابة
رسول الله ﷺ من كبار التجار؛ كعثمان بن عفان رضي الله عنه الذي جهز جيش العسرة،
واشترى بئر رومة، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الذي كان ينفق القوافل العظيمة
في سبيل الله. هؤلاء لم تكن التجارة تلهيهم عن الله، بل كانت تجارتهم سلاحًا لنصرة
الدين.
ثانيًا: معالم
الخطاب الدعوي الموجه لعقلية المستثمر
1) الحديث
بلغة (الاستثمار الأبدي والأثر الممتد): رجل الأعمال يفهم
جليًا لغة "الأرباح، والمخاطر، والعوائد". انطلق معه من هذه اللغة ووضح
له أن التبرع للمشاريع الدعوية والعلمية هو "الاستثمار الوحيد المضمون أرباحه
بنسبة 100%" عند ملك الملوك، وأن المال الذي يحفظه في بنوك الدنيا سيتركه
لغيره، بينما المال الذي ينفقه في سبيل الله هو الذي سيجده أمامه. قال ﷺ: «مَالُكَ
مَا قَدَّمْتَ، وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ» (رواه البخاري).
2) عرض
المشاريع بعقلية (دراسات الجدوى الاحترافية): لا تطلب من رجل
الأعمال التبرع لمجرد العاطفة؛ بل قدم له مشروعًا دعويًّا مكتوبًا باحترافية،
يتضمن رؤية واضحة، وأهدافًا رقمية، ومؤشرات قياس أثر، ونظام حوكمة وشفافية، فهذا
يحترم عقليته ويشجعه على ضخ أمواله بثقة.
ثالثًا: خطوات
تطبيقية للميدان الدعوي
1) تأسيس
(ملتقى الاستثمار الحضاري): تنظيم لقاءات دورية خاصة بنخبة رجال
الأعمال في أجواء إيمانية وراقية، يُستضاف فيها علماء ومفكرون يتحدثون عن مقاصد
المال في الشريعة، ودور رأس المال المسلم في نهضة الأمة.
2) ربط
كل رجل أعمال بمشروع يناسب شغفه: المباشرة بدرس اهتمامات كل مستثمر؛
فمن كان يمتلك شغفًا بالتعليم أتيح له بناء المدارس والأكاديميات، ومن كان يحب
الإغاثة والطب وجّه لبناء المستشفيات والمراكز التنموية، فتتحول النفقات إلى مشروع
حياة بالنسبة له.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• العناية
بتزكية نفوسهم: لا تجعل كل لقاءاتك معهم حول طلب المال؛ بل خصص أوقاتًا
لوعظهم، وتذكيرهم بالمرض والموت، وعيادة مرضاهم، وتفقد أرواحهم، ليحبوك لله لا
لأجل أموالهم.
• الدعاء لهم: ادع الله أن يبارك لهم في أموالهم ويستعملهم في طاعته.
كيف نعالج قصور وسائل الموارد المالية للدعوة؟
كيف تتخطى مؤسسة دعوية التبعية لشروط المانحين؟