الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5637
19/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا فتاة أبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، عشت فترة من حياتي في تفريط شديد وغفلة عن طاعة الله، واقترفت بعض الذنوب والمعاصي الظاهرة نتيجة مرافقة رفيقات السوء وضغوط الواقع المنفتح. منّ الله عليّ بالهداية والتوبة النصوح قبل أشهر، وأقبلت على الصلاة والقرآن وارتداء الحجاب الساتر ولله الحمد.
المشكلة تكمن في نظرة المجتمع والبيئة الدعوية المحيطة بي في منطقتي؛ إذ أشعر بـ "وصمة مجتمعية" تطاردني، فلا تزال بعض المشرفات في المصليات ينظرن إليّ بعين الريبة والشك، ويذكرنني بماضيّ صراحة أو تلميحًا، بل ويضعن شروطًا قاسية ومعقدة لقبولي في حلقات العلم وحفظ القرآن، وكأنهن يطلبن مني الانتقال من التفريط التام إلى منزلة الصدّيقين في يوم وليلة.
هذا الجفاء التربوي جعلني أشعر بانتكاسة نفسية وضيق شديد، وأكاد أعود للانكفاء على ذاتي بسبب قسوة الخطاب الدعوي السائد.
كيف يمكنني الثبات في وجه هذا الجفاء؟ وكيف يمكن صياغة منهج دعوي وتربوي يقوم على فقه التدرج والرحمة في استيعاب التائبين والعصاة وإعادة دمجهم دون تنفير أو إقصاء؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكِ أيتها الابنة الغالية والأخت الفاضلة في رحاب طاعة
الله ورضوانه. نبارك لكِ هذه التوبة المباركة والنقلة الإيمانية الشجاعة، واعلمي
أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن الله يفرح بتوبة عبده أشد من فرح الواجد
لراحلته بعد ضلالها.
إن الشكوى التي
طرحتِها تكشف عن فجوة تربوية في بعض مناهج التطبيق الدعوي المعاصر، حيث يغيب
أحيانًا "فقه التدرج والرفق" في التعامل مع فئات المدعوين، لاسيما
التائبين حديثاً.
ثم إن الشريعة
الإسلامية الغراء ما استقرت في النفوس إلا بالتدرج والرحمة والستر؛ فالهدي النبوي
وهدي التابعين الأوائل يعلماننا أن رعاية الإيمان الناشئ تحتاج إلى حنوّ بالِغ
وتغافل عن الماضي بالكلية.
إن مطالبة التائب
بالوصول إلى قمة الالتزام والتبحر العلمي مباشرة هو شطط تربوي يؤدي إلى الانتكاسة.
والمنهج الدعوي
الرشيد يقوم أولاً على "إعلان مبدأ الستر التام وإسقاط الماضي"؛ فلا
يجوز شرعًا ولا تربويًّا نبش ماضي التائب بعد أن ستره الله وتاب عليه، بل يجب
معاملته بناءً على ظاهره الحالي المشرق، وفتح أبواب الأمل والقبول أمامه على
مصراعيها محاكاة لقوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدل
الله سيئاتهم حسنات).
والركيزة الثانية
في هذا المنهج هي "التدرج في التكاليف والتعليم"، فلا يُثقل كاهل
التائبة بجميع النوافل والدقائق العلمية في البدايات، بل يُركّز على الفرائض
والواجبات العينية، مع إحاطتها بالحب والدعم النفسي. إن البيئة الدعوية داخل
المساجد والمراكز يجب أن تتحول من "محاكم تفتيش" إلى "مستشفيات
تربوية" تستقبل المرضى وأصحاب الوجع الروحي ببلسم الرحمة والرفق.
والركيزة الثالثة
هي "توفير البديل الاجتماعي الآمن والداعم" من خلال دمج التائبة في
مجموعات وأنشطة تربوية تناسب قدراتها وميولها، مع تكليفها بمهام بسيطة تشعرها
بوجودها وقيمتها داخل المجتمع الجديد، وبذلك يزول عنها شعور الاغتراب والوصمة،
وتتحول طاقتها من الندم والانكماش إلى البناء والعطاء المستدام في رحاب الإسلام.
وختامًا:
• لا تلتفتي
لنظرات البشر أو همزاتهم، وتذكري دائمًا أنكِ تبتِ إلى الله رب البشر وليس إلى
الناس، ورضا الله هو غايتك الأسمى.
• ابحثي عن رفقة
صالحة من الفتيات اللواتي يتميزن برحابة الصدر وحسن الخلق، واجعلي منهن حصناً لكِ
يعينك على الثبات.
• تدرجي في طلب
العلم وحفظ القرآن، ولا تحمّلي نفسكِ فوق طاقتها في البدايات حتى لا تصابي بالملل
والفتور.
• اجعلي من قصتكِ
وتجربتكِ طاقة إيجابية سرية تدفعكِ للشفقة على الفتيات الغافلات ودعوتهن بالرفق
واللين اللذين كنتِ تتمنين أن تجديهما.
فاللهم يا غافر
الذنب وقابل التوب، ثبت أختنا الفاضلة على طاعتك، واشرح صدرها، وأنر دربها، واجعل
توبتها نصوحًا راسخة. اللهم واهدِ القائمين على الدعوة والمربين لنهج الرفق
واللين، واجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، واستعملنا جميعًا في خدمة دينك ونشر
رحمتك.
روابط ذات صلة: