قهوة وقضية.. حوار يجذب الشباب للدعوة

Consultation Image

الإستشارة 01/01/2026

أواجه صعوبة كبيرة في جذب الشباب إلى الأنشطة الدعوية. عندما أبدأ بالكلام عن الإيمان أو الأخلاق أو التوبة، أجد بعضهم يبتسم بسخرية أو ينسحب، وآخرون يقولون لي: سمعنا هذا الكلام كثيرًا، لكننا نريد شيئًا واقعيًّا! أشعر بالحيرة: هل المشكلة في أسلوبي؟ أم أن هذا الجيل فقد التأثر؟ كيف أفتح لهم قلوبهم من جديد دون أن أبدو واعظًا تقليديًّا؟

الإجابة 01/01/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فمرحبا بك أيها الداعية المبارك، واعلم بأنّ هذه القضية من أهم تحديات الدعوة المعاصرة، لا سيما في أوساط الشباب الذين يعيشون عصـرًا مختلفًا جذريًّا في التفكير والتفاعل والإقناع.

 

رفض الخطاب الجامد

 

إنهم لا يرفضون الدين، بل يرفضون الخطاب الجامد الذي لا يخاطب مشاعرهم وأسئلتهم الواقعية. لذلك فالمفتاح ليس في كثرة المواعظ، بل في طريقة الدخول إلى قلوبهم.

 

خطوات عملية للتعامل مع الشباب

 

ودعني أضع بين يديك خريطة واقعية للتعامل مع هذا الجيل، على النّحو التالي:

 

1. ابـدأ بالإنسان قبل الإيمان: قبل أن تتحدث عن الصلاة أو التوبة، تحدّث عن همومهم، ضياعهم، قلقهم، أحلامهم، صراعاتهم، فحين يشعر الشاب أنك تفهمه، سيمنحك أذنه وقلبه، تأمل كيف بدأ النبي ﷺ دعوته مع الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا، لم يصـرخ فيه، بل دخل إلى قلبه بأسئلة منطقية: (أترضاه لأمك؟... لابنتك؟)، حتَّى قال الشاب في النهاية: اللهم اغفر لي.. هكذا تُفتح القلوب لا بالأوامر، بل بالحوار والتفهم.

 

2. غيّر لغة الخطاب الدعوي: الشباب لا يريدون مواعظ من فوق المنبر فقط، بل قصصًا من الواقع، تجارب حية، ونماذج إنسانية تشبههم، فبدلاً من أن تقول: ابتعد عن المعصية فإنها تغضب الله، قل: هل لاحظت كيف تشعرك المعصية بالفراغ؟ وكيف يُعيدك القرب من الله إلى السلام الداخلي؟ غيّر المفردات لتكون أقرب إلى النفس.

 

3. استخدم الإبداع والأسلوب العصـري: الدعوة اليوم ليست منبرًا فقط، بل فيديوهات قصيرة، بـودكاست، تصميمات، ومقاطع واقعية من الحياة اليومية. مثلاً: أحد الدعاة الشباب صنع مقاطع بعنوان تجربة يوم بلا هاتف، تحدث فيها عن أثر الصمت والخلوة على الروح، فتابعه الآلاف. لم يقل كلمة توبة، لكنها وصلت إلى القلب، والإبداع يفتح ما تغلقه الخطابة الجافة.

 

4. ابنِ معهم علاقة صداقة لا وصاية: الشباب لا يتقبلون من يحدّثهم من برج الواعظ، بل من يمشـي بجانبهم كأخ وصديق، اجلس معهم، شاركهم أنشطتهم، تحدث عن تجاربك الشخصية بصـراحة، قل لهم مثلاً: كنتُ أواجه هذا الضعف، وهذا ما ساعدني على تجاوزه.. فحين يشعر الشاب أنك تشبهه، سيستمع إليك أكثر من أي خطيب.

 

5. أجب عن أسئلتهم الفكرية قبل عواطفهم: كثير من الشباب لديهم شبهات فكرية حول الدين والعقيدة، وحين لا يجدون من يناقشهم بعقل، ينسحبون.. افتح لهم باب النّقاش بلطف: دعنا نفكر معًا... ما الذي يُزعجك في فكرة الدين؟  تذكّر أن الحجة الهادئة تقنع أكثر من الوعظ العاطفي.

 

6. قدم القدوة لا الخطاب: الشباب اليوم يكتشفون التناقض بسرعة، فإن رأوا داعية يتحدث عن الصبر وهو غاضب، أو عن الزّهد وهو يسعى للشهرة، سيفقدون الثقة في الخطاب كله. لتكن دعوتك رسالة صامتة قبل أن تكون كلامًا. كما قال أحد السلف: حال رجل في ألف رجل، خير من قول ألف رجل في رجل.

 

7. اصبر ولا تيأس: فالهداية لا تأتي من لقاء واحد، ولا من منشور واحد. قد تزرع الكلمة اليوم وتُثمر بعد سنين. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع آيات الدعوة في مكة سنوات قبل أن يخشع قلبه عند أخته. فاصبر، فالله وحده يعلم متى تثمر الكلمة الصادقة.

 

قهوة وقضية

 

وهذا مثال واقعي: أحد الدعاة في أوروبا لاحظ أن الطلاب لا يحضرون دروسه، فحوّل أسلوبه إلى حوار أسبوعي بعنوان قهوة وقضية، يجلس مع الشباب في مقهى يتناقشون في موضوعات مثل السعادة، النجاح، معنى الحياة، وبدأ العدد بخمسة طلاب، وبعد عام صاروا خمسين، ومنهم من التزم بالصلاة والدين دون خطبة واحدة.

 

إذن ليست المشكلة في "سماع المواعظ"؛ بل في فن إيصالها بلغةٍ يفهمها العصـر، وما دمت صادق النية، قريبًا من قلوبهم، فستجد كلماتك تصنع أثرًا ولو بعد حين.

 

ونسأل الله أن ينفع بنا وبكم.

 

روابط ذات صلة:

كيف أُصحّح السلوكيات الخاطئة لدى الشباب؟

منهجية دعوة الشباب المنغمس في "ثقافة الشك"

كيف أحدد الأسلوب الأمثل للدعوة مع تنوع الشخصيات؟

الرابط المختصر :