في «كأس العالم».. كيف نعالج التأثر المَرَضي بنتائج المباريات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 13
  • رقم الاستشارة : 5235
02/07/2026

عندي أخ أصغر مني يدرس في الجامعة، هو ما شاء الله عليه خلوق ومحافظ على صلواته، لكن هالأيام عايشين معه في أزمة حقيقية بالتزامن مع مباريات كأس العالم الحالية، لدرجة إن مزاجه وتصرفاته صارت مربوطة تمامًا بنتايج المباريات.

إذا خسر الفريق اللي يشجعه، ينقلب البيت كله نكد وكأننا في عزاء؛ يرفض ياكل معنا، ويدخل في نوبة حزن وضيق، ويقفل على نفسه الغرفة لأيام وما يكلم أحد. وبالمقابل، إذا فازوا، فرحته تطلع عن حدها بشكل مو طبيعي ولا مقبول؛ يبدأ يصرخ بشكل هستيري في البيت، ويروح يطير كل الفلوس اللي في جيبه عشان يشتري أغراض احتفالات ويوزعها على أصدقائه، بإسراف وتبذير واضح وزايد عن اللزوم.

حنا والله خايفين عليه وعلى اتزانه النفسي والفكري، وخايفين تضيع أولوياته كشاب مسلم.

كيف نقدر نوجهه ونساعده عشان يمسك نفسه ويضبط هالمشاعر؟ وكيف نغرس في قلبه المفهوم الصح للرضا بالقضاء والقدر في كل أمور حياته؛ خصوصًا إن الموضوع كله كورة وتسلية، شيء ترفيهي وهامشي ما يستاهل كل هذا، والمفروض ما ياخذ أكبر من حجمه على حساب دينه ودراسته؟

الإجابة 02/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وكذلك على حرصك على مصلحة أخيك واتزانه النفسي والديني. أسأل الله أن يقر عينك بصلاحه، وأن يرزقه الحكمة والسداد، وأن يربط على قلبه، ويجعله شابًّا نافعًا لنفسه وأمته، وأن يديم بينكم المودة والسكينة، وبعد...

 

فإن ما يمر به أخوك الشاب يعد ظاهرة نفسية ومرض اجتماعي يوصف بالتعصب الرياضي والتماهي مع فريق ما؛ لكن مما يبشر بالخير، ويجعل العلاج ممكنًا وقريبًا بإذن الله، هو ما ذكرته من أن أخاك «ما شاء الله عليه خلوق ومحافظ على صلواته». فهذه الركيزة الأساسية (الصلاة والخلق) هي التربة الصالحة التي سنبذر فيها النصح والتوجيه بإذن الله، فالشاب الذي لديه وازع ديني، يسهل إيقاظ وعيه عندما نذكِّره بالحقائق الشرعية والعقلية.

 

إن مشكلة أخيك تكمن في أن كرة القدم تحولت لديه -مع الأسف- من وسيلة للترفيه والتسلية الهامشية إلى مصدر رئيسي لتقدير الذات وتفريغ الشحنات العاطفية. وفي سن الجامعة غالبًا يبحث الشباب عن هوية ينتمون إليها، وقد وجد في حماس مباريات كأس العالم الحالية متنفسًا ومصدرًا سريعًا لهرمون السعادة؛ لكن المشكلة تكمن في المبالغة الحاصلة في ردود أفعاله (الحزن المفرط والبهجة الهستيرية مع التبذير)، وهنا يأتي دوركم كعائلة لإعادة الأمور إلى نصابها بذكاء وحكمة دون تصادم.

 

النهي عن الغلو في المشاعر

 

الإسلام دين التوازن والاعتدال، والترويح عن النفس ليس حرامًا ما دام في إطار المباح، لكن الدين وضع سياجًا يحمي عقل المسلم وقلبه من أن تستعبده أمور هامشية.

 

إن تقلب مزاج أخيك بين الحزن الشديد والفرح الهستيري يتنافى مع الوقار والاتزان النفسي الذي يدعو إليه الإسلام. ولقد لخص القرآن الكريم فلسفة التعامل مع المكاسب والخسائر الدنيوية في آية عظيمة، لو تدبرها أخوك لتغيرت نظرته؛ يقول الله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23]. والفرح المنهي عنه هنا هو فرح البطر والخيلاء الذي يخرج الإنسان عن طوره وعقله، والحزن المنهي عنه هو الذي يورث القنوط واعتزال الناس وضياع الواجبات.

 

وقد جاء في الحديث الشريف ما يضبط هذه الانفعالات؛ حيث قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا نُهِيتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ شَيْطَانٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ» [رواه الترمذي].

 

وما يفعله أخوك عند الفوز من صراخ وتصرفات غير مقبولة، أو عند الخسارة من دخول في نوبة ضيق واكتئاب، يقترب كثيرًا من هذه السلوكيات غير المتزنة التي نهى عنها الشارع الحكيم.

 

خطورة الإسراف والتبذير

 

إن إنفاق أخيك لكل ما في جيبه لشراء أدوات احتفال وتوزيعها، يعد من الأمور التي يحاسب عليها المرء. فالمال مال الله، والإنسان مستخلف فيه. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 27]. وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ» [رواه الترمذي].

 

فبماذا سيجيب أخوك ربه حين يسأله عن مال أنفقه في أغراض احتفالية بسبب فوز فريق كرة قدم لا يقدِّم ولا يؤخِّر في ميزان الشرع؟!

 

غرس المفهوم الصحيح للرضا بالقضاء والقدر

 

إن ربط مصير الإنسان النفسي بقطعة من الجلد يتنافس عليها 22 لاعبًا هو خلل في فهم حقيقة الدنيا ومقاديرها. فالرضا بالقضاء والقدر يجب أن يتجلى في الأمور العظام واليسيرة على حد سواء.

 

يُروى أن عروة بن الزبير رضي الله عنه قُطعت رجله في اليوم نفسه الذي مات فيه أحب أبنائه إليه، فماذا قال؟ قال: «اللهم لك الحمد، إن كنتَ أخذتَ فقد أبقيتَ، وإن كنتَ ابتليتَ فقد عافيتَ». فانظر إلى هذا الثبات العظيم في مواجهة المصائب الحقيقية! وفي المقابل، نجد بعض شبابنا اليوم يدخلون في نوبات اكتئاب تمنعهم من الأكل والكلام بسبب مباراة!

 

يجب أن يدرك أخوك أن نتائج المباريات هي نتاج جهد اللاعبين ومدربهم، ثم توفيق مبني على أسباب، واحتمالات الفوز والهزيمة في ميدان الرياضة عمومًا متساوية، وينبغي تعامل المشجعين معها بقدر كبير من القبول والتجاوز السريع. وينبغي للمسلم ألا يهدر طاقته الإيمانية والنفسية في الحزن على شيء لم يكتبه الله لفريق يشجعه، فضلًا عن إعطاء أهمية وقدر لهذا الشيء.

 

إن الرضا الحقيقي هو أن يعلم الشاب أن الدنيا دار ممر، وأن الفوز الحقيقي هو فوز الآخرة؛ قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

 

مقترحات عملية لضبط المشاعر

 

لعلاج هذا الأمر مع أخيكم، أقترح عليك أمورًا تتدرج من العاطفة إلى العقل، وتعتمد على الاحتواء لا على الصدام:

 

1- اختيار التوقيت المناسب للحوار:

 

إياكم ومناقشته أو توجيهه وقت المباراة، أو فور خسارة فريقه وهو في حالة ضيق، أو وهو يصرخ فرحًا. انتظروا حتى تهدأ العاصفة تمامًا، ويصبح في حالته الطبيعية، ثم اجلس معه جلسة أخوية هادئة، وابدأ بالثناء عليه وعلى صلاته وأخلاقه لفتح قلبه.

 

2- المواجهة بالمنطق الهادئ:

 

قل له بلهجة حانية: «يا أخي، نحن نحب وعيك وعقلك، ولكن هل تدرك أنك تعطي هذه اللعبة أكبر من حجمها؟ اللاعبون يتقاضون الملايين فازوا أم خسروا، وحياتهم مستمرة، بينما أنت تخسر صحتك، ونفسيتك، ومالك، وتنكِّد على أهل بيتك الذين يحبونك. فهل يستحق الأمر أن تجعل مزاجك رهينة لأقدام اللاعبين؟».

 

3- وضع ضوابط مالية حازمة:

 

إذا كانت المبالغ التي يصرفها هي من مصروفه الشخصي الذي تعطونه إياه، فيجب تقنينه في فترة البطولة، أو الاتفاق معه على ميزانية محددة لا يتجاوزها. وإن قام بالتبذير، فناقشوه برفق حول أهمية هذا المال، وكيف أن هناك فقراء ومحتاجين أولى بكل درهم يُنفَق في أشياء لا قيمة لها.

 

4- توجيه الطاقة من المشاهدة إلى الممارسة:

 

الشاب في هذه السن لديه طاقة حماسية هائلة يريد تفريغها، فشجعوه على ممارسة الرياضة بنفسه مع أصدقائه في الملعب، بدلًا من الجلوس خلف الشاشات والتعصب. إن الممارسة الفعلية تمتص الطاقة السلبية، وتفرِّغ الشحنات العاطفية بشكل صحيح.

 

5- ملء الفراغ بالأولويات:

 

غالبًا ما ينشأ التعصب من الفراغ، وغياب الأهداف، فشجعوه على دورات تدريبية مرتبطة بدراسته الجامعية، أو مشاريع تطوعية، أو حفظ أجزاء من القرآن. فعندما يرى الشاب نفسه ينجز في مجالات حقيقية، ستصغر في عينه الإنجازات الوهمية للأندية واللاعبين.

 

6- تذكيره بحق أسرته عليه:

 

أعلموه بشكل واضح، ولكن دون هجوم، أن اكتئابه وقلب البيت إلى عزاء ونكد يؤذي والديه ويؤذيكم نفسيًّا، وهذا يعد من العقوق المحرَّم، فركِّزوا على بر الوالدين، وأن إدخال الحزن والضيق على قلبيهما بسبب مباراة هو أمر غير مقبول شرعًا.

 

وختامًا أخي الكريم، إن أخاك يمر بمرحلة فورة الشباب، وهذه الأزمة ستمر بإذن الله وتصبح مجرد ذكريات يتندر بها مستقبلًا، شريطة أن تتعاملوا معها بحكمة الصديق، وعطف الأخ، وحزم المربي. تذكروا دائمًا الجوانب الإيجابية فيه، واجعلوا حواركم معه منطلقًا من خوفكم عليه وعلى مستقبله، وليس من باب السخرية من اهتماماته.

 

أسأل الله أن يشرح صدر أخيك، وأن ينير بصيرته، ويرزقه الحكمة والاتزان في أقواله وأفعاله. اللهم اجعل الآخرة همه، وأصلح باله، واصرف عنه الغلو والتعصب في كل أمور حياته، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتخلَّص من التعصُّب الكروي وأستعيد حياتي؟

التعصب في حب كرة القدم

الرابط المختصر :