الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
509 - رقم الاستشارة : 2444
20/08/2025
أنا شاب أعيش مع أختي الصغرى (٢٨ سنة) بعد وفاة والدينا منذ أكثر من ١٠ سنوات، هي ناجحة ومجتهدة كابتن جودو، منضبطة في حياتها الرياضية، لكن مشكلتي معها أنّها "مسترجلة"، تتعامل بحدّة وصوت مرتفع وأسلوب يشبه الأوامر، سواء في البيت أو النادي أو الأماكن العامة.
هذا الأسلوب يسبب لي حرجًا أمام الأقارب والضيوف والجيران، إذ تعترض بصوت عالٍ أو تصحح الآخرين علنًا أو تدخل في مشادات حتى على أمور بسيطة. حاولت أن أنبهها بلطف، واتفقنا على إشارات لتخفيف حدتها، لكن بلا جدوى، فهي ترى أنّ المشكلة في "حساسية الناس".
أنا فخور بها وأقدّر إنجازاتها، لكنّي محتاج إلى إرشاد: كيف أساعدها لتحتفظ بقوتها وثقتها دون أن يَظهر أسلوبها عدوانيًّا أو يحرجنا اجتماعيًّا؟
ابني الكريم،
أقدّر غيرتك وحرصك على أختك وعلى صورتكما الاجتماعية. من الواضح أنك تحمل همًّا نبيلاً نابعًا من المحبة والرغبة في أن ترى أختك في أجمل صورة، وهذا دليل على نضجك وعمق مسؤوليتك.
دعنا نُفصِّل الأمر بحكمة وهدوء:
أولًا: تحليل مبسط للشخصية
حتى نفهم شخصية أختك فعلينا أن نحللها تحليلاً مبسطًا.. فأختك نشأت في بيئة رياضية صلبة، ورياضة الجودو خصوصًا تُنمي الانضباط، الصرامة، والروح التنافسية. هذا ما يفسر أسلوبها المباشر والصوت المرتفع ولغة الجسد الحادّة.. وهو ما نطلق عليه أحيانًا overgeneralization of behavior؛ أي أن الشخص يعمم أسلوبًا ناجحًا في سياق (التدريب والرياضة) على كل السياقات الأخرى من (العلاقات الاجتماعية). فهي لا تقصد بالضرورة العدوانية، وإنما لم تفرّق بعد بين(الحزم الإيجابي) و(العدوانية).
كما أنها فقدت كثيرًا من التوجيه الحاني والقدوة من الأم والأب لوفاتهما -رحمهما الله- في سنها الصغيرة.
ثانيًا: علينا أن نفرق بين القوة واللين..
القوة الحقيقية ليست في الصوت العالي أو فرض الرأي، بل في القدرة على ضبط المشاعر وتنويع الأسلوب. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ فاللين مع الحكمة يجذب القلوب، بينما الحدة المتكررة قد تُنفّر الناس مهما كانت النوايا حسنة.
ثالثًا: هنا يبرز دورك أنت..
من الجميل أنك تحاول أن تكون عونًا لها لا خصمًا. تذكّر أنّك تمثّل بالنسبة لها الشخص الداعم، لا "حَكَمًا" عليها.
لذلك تجنب النقد العلني، وركز على الحوار الهادئ في أوقات الصفاء. يمكنك أن تعبر لها عن مشاعرك بصيغة "أنا"، مثل: "أنا أشعر بالحرج حين ترتفع نبرتك أمام الضيوف"، بدلًا من صيغة "أنتِ دائمًا حادّة". هذا يخفف الدفاعية عندها ويجعلها أكثر استعدادًا للتغيير.
رابعًا: الحلول العملية
وبعد كل ما ذكرته لك، أقدم لك الحلول العملية، التي قد تساعدك في تهذيب معاملات وسلوكيات أختك:
1- حاول تعليمها باللين والمودة كيفية التفريق بين السياقات:
ساعدها على إدراك أن ما يصلح في صالة التدريب لا يصلح بالضرورة في الجلسات العائلية. ويمكنك أن تضرب أمثلة ملموسة لمواقف أحسنتْ فيها استخدام الهدوء، لتعزيز هذا السلوك.
2- حاول أيضًا تدريبها على مهارات التواصل:
مثلا، اقترح عليها تجارب مثل role play لعب الأدوار، بأن تمثّلا مواقف اجتماعية في البيت وتُجرِّب فيها أسلوبًا أكثر هدوءًا.
3- اعمل على إعادة توجيه طاقتها الرياضية:
شجّعها أن تُفرغ انفعالاتها في التمارين أو الرياضة، ثم تفصل وتدخل العلاقات الاجتماعية بروح مختلفة من الرقة والأنوثة.
4- اتفق معها على قواعد منزلية، تطبق منكما معًا:
5- عليك معها بالتعزيز الإيجابي:
أثنِ عليها كلما تعاملت بهدوء؛ فالمديح يعزز التغيير أسرع من اللوم.
ولتعلم يا عزيزي، أن أختك تحمل في داخلها صراعًا بين الحاجة للاستقلالية need for autonomy والحاجة للانتماء الاجتماعي need for belonging.
ودورك أن تساعدها على التوازن بينهما. وقد قال ﷺ: "إنّ الله رفيق يحب الرفق"، هذا الحديث قاعدة ذهبية يمكن أن تجعلها ترى أن الرفق ليس ضعفًا بل عبادة وقوة.
* همسة أخيرة:
مشكلتك يا عزيزي، ليست في قوة أختك بل في كيفية توظيف شخصيتها.. واجبك أن تكون لها مرآة صافية تعكس ما لا تراه في نفسها، بحب ورفق، لا بانتقاد أو عتاب قاسٍ. بالتدريج ستتعلم أن تُوازن بين شخصيتها القيادية وبين الرقي الاجتماعي.
لا تتوقف عن احتضان نجاحات أختك ودعمها والافتخار بها، فهي ستلين حين تشعر أن أخاها يقدرها لا يحاكمها، وأنه العوض من الله عز وجل عن فقدانها لوالديكما.