فخ المظلومية.. لماذا يختار البعض عقلية الضحية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 18
  • رقم الاستشارة : 6314
05/11/2026

بعض الناس يعيش وهم أن الجميع يتآمر عليه وأنه ضحية للظروف والمؤامرات، وهذه العقلية تحكم في كثير من الأحيان مسار حياة هذا الشخص.

وسؤالي كيف يمكن التخلص من عقلية الضحية والنجاة من تأثير هل على التفكير والوعي؟

الإجابة 05/11/2026

أخي الكريم، جزء من مشكلات الإنسان وأزماته نابع من تصوراته وأفكاره، فقد تقيد الفكرة انطلاق الهمة، وقد يعيق التصور الخاطئ السلوك الجيد؛ ولذا فالإصلاح العميق يبدأ في الكثير من التجارب من إصلاح التصورات، ولعل من أهم التصورات التي تعيق الإنسان هو أن تتلبسه "عقلية الضحية" فيشعر أنه ضحية للظروف والمجتمع والمؤامرات والدسائس، وهذه الفكرة تصب في نفسه استسلامًا وسلبية وتخاذل ينتج فشلاً جديدًا وإخفاقات لا تنتهي.

 

عقلية الضحية

 

أخي الكريم، تصور الإنسان بأنه ضحية يعطل قدراته، ويشل إرادته، ويوقف سيل الأسئلة التي تحرضه على مغادرة أرض الهزيمة نحو انتصار وفعالية جديدة؛ فعقلية الضحية تُشعر الشخص بأن الظروف تتحكم به، ولا يملك القدرة على التغيير، وينتظر دائمًا من ينقذه، يقول الكاتب الأمريكي "دونالد ميللر" في كتابه "بطل في مهمة": "الضحية يتساءل دائمًا: 'لماذا يحدث هذا لي؟'، أما البطل فيسأل: 'كيف يمكنني استخدام هذا الألم لأصنع قصة تستحق العيش؟'. البطل هو ضحية رفضت أن تكون نهاية قصتها بائسة".

 

وقد يتبنى الشخص عقلية الضحية كـ"آلية تكيف نفسية واستراتيجية فكرية" لتحقق له مكاسب خفية وتوفر له حماية من مخاوف أعمق، وهي مكاسب ثانوية، ووجود هذه الأسباب تغري العقل أن يختار دون وعي في كثير من الأحيان التمسك بدور الضحية، ومن أسباب تبنيه هذه الثانويات:

 

* الهروب من المسؤولية: لا شك أن المسؤولية عبء ثقيل يتطلب شجاعة ومواجهة، وعندما يتبنى الشخص دور الضحية، فإنه يحصل على إعفاء كامل من عواقب أفعاله وفشله، وهي عملية لا تحدث فجأة، ولكنها تدريجية تبدأ كمحاولة لحماية الذات وتنتهي بخضوعها لدور الضحية، وهو هروب من "ألم المواجهة" إلى "أمان المظلومية".

 

* تخفيف القلق: الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة ومواجهة لشعور التقصير، وهو أمر مؤلم نفسيًّا، الهروب إلى دور الضحية ينقل الشخص فورًا من موقف "المُذنِب المطالَب بالإصلاح" إلى موقف "المظلوم المستحق للتعاطف".

 

* الارتهان النفسي للخارج: يربط الشخص سلامه الداخلي ورضاه بتبدل الظروف أو باعتذار الآخرين وتغيرهم؛ وهو ما يحرمه من "التحرر النفسي" والاستقلالية، ويجعله رهينة لما لا يملك السيطرة عليه.

 

كيف أتخلص من عقلية الضحية؟

 

* إعادة التأطير المعرفي للواقع: أي تغيير النظرة التي ترى بها العالم المحيط بك، وهذه النصيحة ستتكرر كثيرًا، لأنها إحدى النصائح المركزية في إصلاح التصورات والأفكار، ولذا فإن النظر للعالم كأنه عالم بلا تحد ولا صراع ولا أشرار يساهم في ترسيخ عقلية الضحية في ذهن الشخص، أما رؤية العالم بأنه ساحة فيها صراع، ولا بد من أن ينتصر الخير، فإن هذا ينمي روح المبادرة، ويدفع الإنسان للانتقال من أن عجزه مكتسب ولا يمكن الخلاص منه، إلى روح جديدة فاعلة تبحث عن مساحة تتحكم من خلالها في مصيرها، وهنا تتحول الفكرة الجديدة إلى أداة للنمو الذاتي وإدراك ما يمكن تغييره، وما لا يمكن تغييره، وهو ما تنبه إليه الفيلسوف اليوناني القديم "إبيكتيتوس" في مقولته: "لا يضطرب الناس بسبب الأشياء في حد ذاتها، بل بسبب الآراء والتصورات التي يشكلونها عن هذه الأشياء".

 

في كتابه "تجاوز الصعاب: تغلب على عقلية الضحية" يذهب مؤلفه البرفيسور "سكوت باري كوفمان" أن تمكين النفس من إدارة مشاعرها والخروج من مأزق عقلية الضحية يتطلب:

 

- إدارة المشاعر الصعبة، بدلاً من السماح لها بالسيطرة علينا.

 

- التصالح مع الماضي، وفهم الصدمات والتعافي منها، وتحقيق النمو ما بعد الصدمة.

 

- مقاومة فخ تقدير الذات، وإيجاد الرضا الحقيقي بدلاً من ذلك.

 

- الخروج من منطقة الراحة، والبحث الدؤوب عن تشكيل مسار جديد للحياة.

 

* المسؤولية ذاتية: اقتناعك بأنك مسؤول عن نجاحك وإخفاقك وانتصارك وهزيمتك، من أهم المداخل لقهر عقلية الضحية في ذاتك؛ لأنك في هذه الحالة تقوم بحساب نفسك والبحث عن مواطن الخلل في نفسك، والسعي لإصلاحها والبحث عن المسار الأفضل لتحقيق النجاح، يقول الأمريكي "جوكو ويلينك" وهو ضابط سابق وأحد خبراء تنمية الذات، في كتابه "الملكية المطلقة": "بمجرد أن تتقبل حقيقة أنك المسؤول الأول والأخير عن كل شيء في حياتك، يختفي اللوم، وتختفي الأعذار، وتبدأ في قيادة مصيرك.. هذه هي اللحظة التي تولد فيها فاعليتك الحقيقية".

 

موضوعات ذات صلة:

نظرية المؤامرة.. حقيقة أم وهــم؟

نصائح للتخلص من آفة التبرير

لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟

هل تؤثر النبوءات الدينية في السياسة الدولية؟

التعليقات

الرابط المختصر :