الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 6056
08/10/2026
ما حكم استثمار الأموال العامة للدول أو صناديق التقاعد في أسهُم شركات عابرة للقارات تشوب عملياتِها ممارساتٌ بيئية ضارة أو استغلال للعمالة في الدول النامية،؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن إدارة
الأموال العامة وصناديق التقاعد في الدول الإسلامية لهي أمانة عظيمة، ومسؤولية
جسيمة تتعلق بحقوق الأجيال ومصالح الأمة الكلية، وإن الاستثمار في أسواق المال
العالمية والشركات العابرة للقارات يفرض تكييفًا فقهيًّا دقيقًا يوازن بين تحقيق
العوائد المالية النافعة لحفظ هذه الأموال ونمائها، وبين الالتزام بالضوابط
الشرعية والأخلاقية التي تحرم الإضرار بالبيئة، وتمنع ظلم العمال واستغلالهم،
استنادًا إلى الأصول العامة للشريعة الإسلامية ومقاصدها الغراء.
اختصارًا:
يجوز
الاستثمار في أسهم الشركات العابرة للقارات متى استوفت الضوابط الشرعية المعتبرة
في الأسهم كأن لا يكون نشاطها الأساسي محرمًا، وأن تكون نسبة الديون والفوائد
الربوية في حدود المسموح به فقهيًّا، غير أنه إذا شابت ممارسات هذه الشركات
مخالفات جسيمة تتعلق بالإضرار بالبيئة فسادًا وتخريبًا، أو بالظلم والاستغلال
الفاحش للعمالة، فإن الحكم يختلف باختلاف طبيعة المشاركة وتأثير المستثمر؛ فإذا
كان للمستثمر أو صندوق التقاعد سلطة وتأثير في القرار الإداري أو الجمعيات
العمومية وجب عليه الإنكار والسعي لإيقاف تلك الممارسات وإلا حُرّم الاستثمار،
وأما إن كان المستثمر مساهمًا ضعيفًا لا سلطة له في الإدارة ولا تأثير له في صنع
القرار، فإن الاستثمار يُكره أو يُمنع إذا أدى إلى الإعانة المباشرة على المعصية،
ويجوز عند الحاجة العامة الكبرى لصناديق التقاعد بشرط السعي المستمر لتوجيه الضغط
الحقوقي، وتتحمل الإدارة التنفيذية والمديرون التبعة الشرعية الكبرى لظلم العمال
والفساد البيئي باعتبارهم المباشرين للضرر والمفوضين بمنعه.
ويجب
مع كل الأحوال السعي لاستثمار تلك الأموال محليًّا، أو على نطاق إسلامي للمساهمة
في توطين أسس الحضارة ومقوماتها في الدول الإسلامية بدلا من نزيف الأموال المستمر
نحو الشركات الكبرى العالمية وتقوية نفوذها الاستعماري والاحتكاري.
وتفصيلاً:
الأحكام
العامة لجواز استثمار الأموال العامة وصناديق التقاعد في الشركات الكبرى:
الأصل
في المعاملات المالية الحِل والإباحة ما لم يرد نص بتحريمها، لقول الله تعالى: {وَأَحَلّ
َاللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. غير أن أموال الدولة
وصناديق التقاعد تخضع لولاية المصلحة العامة، و"تصرف الإمام على الرعيّة منوط
بالمصلحة"، فلا يجوز للمسؤولين عنها الدخول في استثمارات تحفها المخاطر
العالية أو تتنافى مع القيم العليا للإسلام. وقد نص الفقهاء على وجوب تحري الحلال
والبعد عن الشبهات، لقول النبي ﷺ:
"إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من
الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه".
التأكيد
على أن حماية البيئة من مقاصد الشريعة مع الأدلة الداعمة:
حفظ
البيئة ومواردها من التلف والفساد يندرج تحت المقصد الضروري الأعظم وهو "حفظ
النفس والمال والنسل"، ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع. وقد حذّر القرآن
الكريم من الإفساد في الأرض بعد صلاحها، فقال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي
الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ
اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]. وقال سبحانه في وصف أثر
المفسدين: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]. فالشركات
التي تدمر البيئة وتستنزف موارد الأرض بلا راعٍ ولا خطط استدامة تتعارض أفعالها مع
مقاصد الشريعة في عمارة الأرض وخلافتها، لقوله تعالى: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ
الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: 61].
بيان
المسؤولية في استغلال العمالة، وأن التبعة الرئيسة تقع على مديري الشركات،
والمستثمرون بلا سلطة تابعون:
الإسلام
يعلي من قيمة العمل الإنساني ويحفظ كرامة العمال، وقد توعد النبي ﷺ من ظلم أجيرًا
أو استعمله ولم يعطه أجرته، كما في الحديث القدسي الصحيح: "ثلاثة أنا خصمهم
يوم القيامة... ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
المسؤولية
الكبرى والمباشرة تقع على عاتق المديرين التنفيذيين ومجلس الإدارة؛ لأنهم
المباشرون للقرار والتحكم في ظروف العمل وأجور العمال، وتطبيق سياسات الاستغلال،
عملاً بالقاعدة الأصولية: "المباشر ضامن وإن لم يتعمد".
وأما
المستثمرون أصحاب الحصص الصغيرة الذين لا سلطة لهم في القرار فلا تُناط بهم
المسؤولية الجنائية أو الإثم المباشر لفعل غيرهم، لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الإسراء: 15]. ومع ذلك، فإن المساهمة في شركة تقوم
على الظلم البين والفساد الفاحش تُعتبر في حكم الإعانة على الإثم إذا انتفت الحاجة
ولم يقترن ذلك بإنكار قلبي أو عملي من خلال حضور الجمعيات العمومية والتصويت ضد
السياسات الجائرة متى أمكن. أما إذا كان صندوق التقاعد مجرد مساهم عابر لا يملك
صوتًا مؤثرًا، فيجوز له الاحتفاظ بالاستثمار عند الحاجة الماسة لنمو أموال
المتقاعدين، مع وجوب السعي للتخارج متى توفر البديل الأمثل.
القواعد
الفقهية الحاكمة في استثمار الأموال العامة في الشركات العابرة للقارات:
"الضرورات
تُقدر بقدرها" و"الحاجة منزلة مَنزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة": وهو
ما
يُبيح
لصناديق التقاعد الاستثمار في الأسواق العالمية لتنمية أموال المستفيدين مع وجود
بعض الشوائب غير المحرمة لذاتها إذا تعذرت البدائل النقية كليًّا.
"الضرر
يُزال": وقاعدة منع الضرر البيئي واستغلال العمال توجب على
المسلمين عدم الركون إلى الظالمين والبحث عن بدائل استثمارية نظيفة ومسؤولة.
"لا
يكلف الله نفسًا إلا وسعها": وهي القاعدة الحاكمة لمسؤولية
المساهمين الذين لا يملكون سلطة إدارية أو تنفيذية في الشركات عابرة القارات، فلا
يؤاخذون بما لا يملكون القدرة على تغييره سوى الإنكار والمقاطعة بحسب الاستطاعة.
"التصرف
على الرعيّة منوط بالمصلحة": وقاعدة إدارة الأموال العامة تلزم
القائمين على صناديق التقاعد بتحري العوائد المالية النافعة مع اجتناب الشراكات
التي تعرض أموال الأمة للمخاطر الأخلاقية والقانونية والسمعة السيئة. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
العالم الإسلامي والشركات متعددة الجنسيات.. تبعية أم استقلال؟