الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 4021
03/02/2026
أنا سيدة في نهاية الاربعينات من عمري وزوجي من نفس عمرى ونحن الاثنان نعمل في وظيفة التدريس في أحد المدارس الابتدائية.. منذ فترة اتهمت احدى التلميذات زوجي بالتحرش بها وأعقب ذلك شكوى العديد من الفتيات.. وانتهى الأمر بنقل زوجي لمدرسة أخرى.
ورغم إنكاره وقسمه وعدم ثبوت أدلة معينة تدينه ورغم ان اهالي الفتيات لم يشكين في النيابة والشكوى كانت داخل المدرسة إلا إنني على يقين إنني أعيش مع رجل متحرش ولا أفهم السبب فعلاقتنا الخاصة جيدة جدا بالنسبة لوضعه الصحي والجسدي حيث يعاني من عدة أمراض مزمنة وأنا لم أشعره أبدا بأي مشكلة.
أنا الآن أشعر بالكراهية والنفور من هذا الرجل.. غير الفضيحة التي تلاحقني وتلاحق بيتي وفي الوقت نفسه حزينة عليه.. لا أتصور كيف أنه لا يخاف الله لهذا الحد الذي يؤذي فيه بنات أصغر من بناته.. وعندما تابعت تلك الفضائح الأخيرة التي حدثت في جزيرة إبستين شعرت أن زوجي هو أحد مجرمي هذه الجزيرة التي لا أفهم حتى هذه اللحظة كيف حدث فيها ما حدث.. أرجو النصيحة.
أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
النفس البشرية –عزيزتي- بالغة التعقيد تستطيع الوصول لمرتبة تنافس فيها الملائكة وقد تتجاوزهم في الارتقاء، ويمكنها الانحطاط لأبشع درجات الرذيلة حتى تتفوق شياطين الإنس على شياطين الجن ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
لقد حكى القرآن الكريم عن قوم لوط هؤلاء الذين ابتدعوا فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين.. فاحشة لا تقل قذارة عما كان يحدث في جزيرة إبستين أو جزيرة الشيطان، ولكن من كثرة ما انتشرت هذه الفاحشة في عصرنا الراهن في مجتمعات كبيرة حاولت إزالة الوصمة عنها واعتبارها ممارسة مقبولة وخيارًا من خيارات الحرية الشخصية حتى أنهم أزالوها من الدليل التشخيصي للأمراض النفسية.
هذا التلاعب القيمي سمة أساسية في هذه الحضارة المادية الغربية التي رعت نخبتها جزيرة إبستين.. فاليوم تصنف البيدوفيليا (العشق الجنسي للأطفال) كاضطراب نفسي تمامًا، كما صنف الشذوذ الجنسي من قبل كمرض نفسي، وغدًا لا أحد يعلم هل سيستمر هذا التصنيف أم سيتغير وفقًا لتغير القيم وتآكلها مع السعار المادي.
عودة لقوم لوط الذين قننوا الفاحشة واضطهدوا الأسوياء واعتبروا طهارتهم جريمة.. ولم يكتفوا بذلك كله بل وضعوا قانونًا باغتصاب من يدخل قريتهم واعتباره مباحًا لهم، حتى أنهم حذروا نبي الله لوط من استضافة أي شخص.. فكأن قريتهم هذه هي أول نسخة من جزيرة إبستين.
الكبر والاستغناء
كثيرة هي الأسباب التي تقف وراء هذا الانحطاط الأخلاقي؛ فالإنسان منذ اللحظة التي يتوقف فيها عن تزكية نفسه وتطهيرها تبدأ نفسه في التراجع التدريجي حتى تصل للسقوط.
ومن أهم أسباب هذا الانحطاط البطر والاستغناء، فعندما تحيط بالإنسان النعم ولا يشكرها ولا يشكر الله الذي رزقه إياها ويتكبر عن الشكر.. هذا التكبر يشعر الإنسان بأنه لم يعد بحاجة للإله فهو لديه كل شيء.. يشعر بعد ذلك أنه يصبح هو الإله.. على الأقل إله نفسه ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ ويبدأ في وضع قوانينه الخاصة فيرفض أن يكون ثمة محرمات بل يجد لذة في اقترافها بعد أن فقد مذاق المتعة في الحلال تمامًا كما فعل قوم لوط من قبل وكما فعل مجرمو الجزيرة.. النساء الطبيعيات مباحات.. الذكور مباحون..
ما هو المحرم الممنوع؟ إنهم الأطفال، هنا يحدث اشتهاء الأطفال، ولأننا نملك القدرة نحقق هذه الشهوة على أرض الواقع.. التعذيب والانتهاك وإيلام الضحايا، كل هذه أدوات متعة جديدة لأشخاص كفروا بإنسانيتهم بعد أن كفروا بالله عز وجل.. الإنسانية الراقية والقيم الخلقية والضمير، وهذه المصطلحات نظر إليها كحواجز تحول بينهم وبين المتعة فتم دهسها.
عندما سقط خوف الإله من القلوب كان سقوط هذه القيم الخلقية أبسط وأهون.. لقد ادعت الحضارة المادية طويلاً أنه لا علاقة بين القيم الخلقية والدين، وأن الإنسان يمكن أن يكون ملحدًا أو لا دينيًّا ويكون لديه منظومة خلقية تعتمد على الضمير الإنساني الحي، وهذا هو الضمير تم ذبحه مع هؤلاء الأطفال بكل صور الذبح والتي وصلت حد شرب الدماء.
عبادة الشيطان
ومن الأسباب العميقة لما حدث هو عبادة الشيطان بصورة حقيقية، فالإنسان لا يستطيع أن يحيا دون عبادة، فإذا رفض عبادة الله فلا بديل له عن عبادة الشيطان.. ولعبادة الشيطان صور متعددة قد تبدأ بعبادة النفس والهوى وقد تنتهي لعبادة لها طقوس تشبه ما يحدث في جزيرة إبستين ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
عبادة الشيطان يتحول فيها الحلال إلى لا شيء.. أو إلى شيء لا متعة فيه لا يحفز الدوبامين ولا يستثير هرمونات السعادة بينما يتحول الحرام إلى شيء مثير، وكلما زادت الحرمانية أو الرفض والمنع أصبح أشد إثارة في حلقة من اللهاث الذي لا ينقطع.. أبناء هذه الحضارة المادية التي رفضت وحي السماء وانسلخت عنه وناصبته العداء واعتبرت بعض أحكامه قاسية وقررت اتباع هواها وشهوتها وتحصيل المتعة بأي شكل شاذ ومقزز في استجابة واضحة لتعاليم الشيطان الذي منحهم وعدًا بالسعادة والمتعة لم يجدوا شيئًا فظلوا يلهثون من مستوى منحط لمستوى أكثر انحطاطًا دون أن يحصلوا على الراحة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
غاليتي، حاولت في السطور السابقة أن أوضح لك كيف حدث ما حدث في جزيرة إبستين.. ما هي الدوافع العميقة التي وقفت وراء هذا الانحطاط الإنساني؟ وما هي جذوره؟ وكيف أن غياب الدين أفقد الإنسان كل الكوابح التي كانت تمنعه من التردي؟ وفي الجزء الثاني من هذه الاستشارة سوف نغوص في شخصية زوجك وكيف نفهم ما ارتكبه وكيف نتعامل مع ذلك.
روابط ذات صلة: