الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 4045
06/02/2026
أنا سيدة في الخامسة والعشرين من عمري تزوجت من ابن عمي عندما كنت في الرابعة عشرة.. أقنعوني وقتها ولم يتم إجباري، ولكن الآن وبعد أن نضجت وعلى الرغم من أن زوجي إنسان طيب أشعر بالحسرة وأنا أرى من هن في مثل عمري يخطبن ويتزوجن الآن بينما أنا مكبلة بثلاثة أطفال وألقيت على مسئولية كبيرة بينما كنت في طور المراهقة...
كثيرا ما أتساءل لماذا لم ينتظروا حتى أكمل الثامنة عشرة على الأقل؟ وعندما تابعت ما حدث في جزيرة إبستين تساءلت هل لو كان ما حدث تم بعقد زواج هل سيكون شرعيًّا ومقبولا؟ هل هناك فارق كبير بين زواج ابنة الرابعة عشرة وبين اغتصابها؟
ابنتي الكريمة، أهلا وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
هل تسمحين لي أن أبدأ بسؤالك الأخير "هل هناك فارق كبير بين زواج ابنة الرابعة عشرة وبين اغتصابها؟".
غاليتي، ألا تدركين الفارق الضخم بين الزواج الذي يتم برضا كامل من الفتاة وبين الاغتصاب والإكراه والاعتداء والعنف.
دعينا نتحدث بمنتهى الصراحة ألا توجد فتيات مراهقات في سن الرابعة عشرة في العالم كله يمارسن الجنس بكامل حريتهن ورغبتهن.. ألا تبدأ سن الموافقة على ممارسة الجنس في أوربا من 14 سنة، فتستطيع ابنة الرابعة عشرة ممارسة الجنس مع شخص راشد وتستطيع من هي دون ذلك الممارسة مع مَن هو أقل من 18 سنة.. في المتوسط تكون التجربة الأولى في سن الـ16 سنة، وعلى الرغم من ذلك تشير الدراسات إلى أن 40% من الفتيات يشعرن بالندم بعد ذلك وأنهن قد تعجلن...
إنها نفس التجربة التي خضتها أنت، مع الفارق أنك كفتاة مسلمة متزوجة زواجًا شرعيًّا.. هذه مقارنة مقبولة لأنها تقوم أساسًا على الرضا، ويمكننا مناقشة موضوع سن الزواج المناسبة في السطور القادمة، وهل كان زواجك في هذا العمر خاطئًا أم لا؟ لكن الشيء المؤكد أنه لا وجه للمقارنة بين الزواج القائم على الرضا أو حتى العلاقات الغربية المفتوحة القائمة على الرضا وبين الاغتصاب أو ما حدث في جزيرة إبستين.
العمر المناسب
ابنتي الكريمة، في استشارتنا المعنونة بـ "ما هو فارق العمر المناسب بين الزوجين؟"، هناك إطلالة تاريخية وشرعية عن مسألة السن المناسبة للزواج، وكيف أن الدين منحنا مساحة واسعة في هذه القضية ولم يقننها بشكل محدد حتى تكون هناك مرونة واسعة تتناسب مع طبيعة تغير الزمان والمكان وطبيعة التحديات الفردية التي يواجهها أفراد المجتمع.. فإذا كانت سن الثامنة عشرة هي السن التي تناسب عصرنا هذا وما جرى عليه العرف أو ما اختاره علماء النفس والتربية، فلا بأس في ذلك.
يمكننا أن نتناقش عمن حدد هذا؟ وهل الانتهاء من التعليم الأساسي في الولايات المتحدة (سن الـ 18) هو المقياس الذي نقيس به أم لا؟ وهل ينبغي أن تكون الاتفاقيات الأممية هي انعكاس للثقافة الغربية أم لا؟
لكن على الرغم من هذه الأسئلة الفكرية المهمة فإن واقع الأمر أن مجتمعاتنا العربية تقبلت سن الثمانية عشرة كحد أدنى للزواج.. فلماذا تعجلت عائلتك في زواجك وكنت ما زلت في الرابعة عشرة ولم ينتظروا حتى تكملي الثمانية عشرة؟ هذا سؤال لا أعرف إجابته على وجه الدقة، ولكن لا شك لدي أنهم رأوا مصلحة راجحة في هذا.. إنهم لم يجبروك ولم يزوجوك برجل سيئ، ولكن على الرغم من ذلك من الوارد جدًّا أنهم أخطأوا في تقييمهم للموقف وربما أخطأوا في تقييمهم لهذه المصلحة الراجحة.
مشاعر الندم
ابنتي الكريمة، مشاعر الندم هي مشاعر إنسانية شائعة جدًّا، فعندما نلتفت للخلف كثيرًا ما تساورنا مشاعر الندم لو أنه حدث كذا.. لو أني فعلت كذا.. لو أنني لم أفعل كذا.. من تزوجت في الثامنة عشرة وأنجبت تقول لو أنني انتظرت حتى أكمل دراستي الجامعية وأحصل على فرصة عمل واستمتعت بالخروج مع الصديقات، والتي تجاوزت منتصف العشرينيات تقول لو كنت تزوجت الخاطب الأول الذي جاءني وأنا ما زلت في الدراسة لقد كان خاطبًا مميزًا كل من جاء بعده كان أقل وظللت أقارن به الآخرين حتى وصلت لهذا العمر ولم أتذوق أي مشاعر عاطفية وزميلاتي لديهن أطفال في المرحلة الابتدائية.
والفتاة الأوربية التي خاضت أولى تجاربها وهي بعد لم تكمل السادسة عشرة بعد تطلع تام منها لهذه التجربة تشعر بالندم أيضًا؛ لأنه بعد أن نضجت تشعر أنها تعجلت كثيرًا رغم أنه لم يمارس عليها أي ضغط، حتى نكاد نقول إن مشاعر الندم مشاعر طبيعية جدًّا نحس بها عندما نتعرض للضغوط ونظن أنه كان بإمكاننا الحصول على خيارات حياتية أفضل..
لذلك النبي ﷺ يحثنا عن الامتناع عن التفكير في سيناريوهات جديدة لأحداث ماضية (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)، فما حدث قد حدث وقدر الله وما شاء فعل، وعلينا أن نتعامل مع هذا الواقع، وعلى الرغم من ذلك فما قد مضى قد يكون قنطرة للحصول على الأجر العظيم.. فإذا كان مؤلمًا واجهه المؤمن بالرضا والصبر، وإن كان جميلاً قدره المؤمن بالشكر (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيرًا له).
نظرة مستقبلية
ابنتي الغالية، أنت الآن في منتصف العشرينيات من عمرك، أي أنك في مرحلة عمرية بالغة النضج.. متزوجة من رجل لطيف يحبك ولديك ثلاثة أبناء هم قرة عينك رغم ما قد تلاقيه من إرهاق في تربيتهم.. ما مضى قد مضى، فحتى لو أخطأت عائلتك التقدير إلا أن هذا لن يفيد في شيء الآن.. أنا أريدك أن تخططي لمستقبلك وتبني على مكتسباتك الحالية فأنت قطعت شوطًا في حياتك لم تقطعه زميلات بعد، ومن حقك بل من واجبك أن تفكري في بقية مجالات حياتك...
لم تشرحي لي في رسالتك موقفك من التعليم، هل استكملت دراستك أم لا ولأي مرحلة علمية وصلت؟ هل درست عبر صور أخرى من التعليم غير النظامي؟ مثلا هل حصلت على أي دورات أو كورسات في أي مجال لديك شغف فيه؟ هل حاولت تعلم القرآن وحفظه؟ هل تقرئين مثلاً عن تربية الأطفال أو تتابعين بعض المتخصصين عبر مقاطع فيديو أو مقاطع مسموعة؟
اسألي نفسك سؤالاً لو أنني الآن وأنا في الخامسة والعشرين لم أكن متزوجة ولم أكن أُمًّا ماذا كنت أريد؟ بماذا أحلم؟ فكري جيدًا واكتبي كل ما تحلمين به ثم اختاري أهم ثلاثة أمور، وابدئي فكري كيف يمكن أن تسعي لتحقيق هذه الأحلام.
• ضعي أهدافًا واقعية (أحلام على سبيل المجاز).
• قسمي كل هدف لمراحل صغيرة.
• حددي وقتًا مناسبًا لإنجاز أول مرحلة.
• استعيني بكل من يستطيع أن يساعدك زوجك.. والدتك.. حماتك.
• فوضي كل ما يمكنك تفويضه.
• احصلي على فترات راحة كافية، نوم ليلي 8 ساعات، بالإضافة لساعة من الاسترخاء.. يوم عطلة أسبوعي تشترين فيه الطعام الجاهز أو ما سبق إعداده؛ فالضغوط تفقد الإنسان شعوره بالنعم وتضاعف من الأمور التي تزعجه.
• نصيحتي الأخيرة لك لا تسعي نحو الكمال فهو سيعرقلك ويفقدك الشعور بلذة الإنجاز 70% هي نتيجة تستحق الرضا.
ابنتي الغالية، تذكري أن ما حدث في جزيرة إبستين هو أمر مريع لا تزال تتكشف أبعاده، فلا تجعلي الشيطان يقارنه بأي خطأ تربوي بشري قامت به عائلتك؛ فشياطين إبستين اقترفوا من الموبقات ما يشيب له الولدان وما يذكرنا بعلامات الساعة التي تتجاوز حدود العقل البشري، ونحن لا نملك إزاء ما نقرأ عنه إلا أن نقول ليس لها من دون الله كاشفة، وكل إنسان يحاسب فردًا في حدود طاقته وما يستطيعه.
روابط ذات صلة:
كيف نحمي أنفسنا من شبح الانحلال؟
زوجي المتحرش وجزيرة إبستين! (1)