حلق شعر الحاجب للرجال.. هل هو النمص المنهي عنه؟

Consultation Image

الإستشارة 01/07/2026

أخي شعر حاجبه كثيف، وقد اعتاد منذ سنوات أن يقوم بحلقه في كل مرة يحلق فيها رأسه، فهو يخاف من عدوى صالونات الحلاقة ويحلق لنفسه دائما، فلما اعترضت عليه وقلت إن النبي منع النساء من النمص، فما بالنا بالرجال، قال النمص هو نتف الشعر لترقيق الحاجب، أما أنا فأحلق الشعر الطويل لأنه يزعجني في الرؤية حين يكون طويلا، فهل هذا صحيح أرجو بيان الحكم الشرعي، وجزاكم الله خيرا الجزاء

الإجابة 01/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، والشريعة الإسلامية شريعة كاملة متوازنة، تعتني بمظهر المسلم وجماله ونظافته، وترد عاديات الأذى والمشقة عنه، وفي الوقت ذاته تضع ضوابط صارمة تحمي الفطرة الإنسانية من التغيير والتبديل، ولما كانت مسألة إزالة الشعر أو تخفيفه تشكل حيزًا مهمًّا من فقه الزينة، فقد فصّل العلماء في صورها وأسبابها، وميّزوا بين ما هو محظور شرعًا كالنمص، وما هو مباح أو مندوب كإزالة العيوب ورفع الضرر.

 

اختصارًا: كلام أخيك صحيح وموافق لقواعد الشريعة وأقوال جماهير أهل العلم من عدة وجوه:

 

الصورة الأولى: حلق الحاجب الكثيف لمنع أذى الرؤية، وهو جائز ومباح بلا كراهة، بل قد يكون مطلوبًا لرفع الضرر؛ لأن النمص المحرم في الشريعة مشروط بالنتف وبقصد "طلب الحُسن" والتغيير بلا حاجة، أما الحلق لدفع أذى الرؤية أو المشقة الحاصلة من تدلي الشعر، فهو إزالة للضرر وإصلاح للعيب، والضرر يُزال شرعًا.

 

الصورة الثانية: إذا كان الشعر لا يؤذي الرؤية ولكن شكله غير محبوب، فإذا كان الطول الكثيف يخرج بالحاجب عن المظهر المعتاد للرجال ويسبب له تشوهًا أو منظرًا منفرًا، فيجوز أخذه وقصه أو حلقه لإعادته إلى الهيئة الطبيعية المعتادة. أما إذا كان الحاجب طبيعيًّا كبقية الرجال، ولكن يريد المبالغة في تدقيقه وترقيقه لمجرد زيادة التجمّل دون وجود عيب أو طول فاحش، فهنا يُكره أو يُمنع عند طائفة من العلماء لإلحاقهِ بالتشبه بالنساء أو التغيير لغير حاجة، وإن كان الحلق أخف إثمًا من النتف عند الجمهور.

 

أولاً: تفصيل مفهوم "النمص" وأنه بالنتف لا بالحلق

 

ذهب جمهور العلماء المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورواية عند الحنفية إلى أن اللعن الوارد في الحديث: «لَعَنَ اللَّهُ النَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ» مفسّر لغويًّا وفقهيًّا بـ النتف، وبالتالي فإن حلق الحاجب بالموسى أو قصه بالمقص لا يدخل في وعيد النمص.

 

من المالكية: جاء في القوانين الفقهية لابن جزي الغرناطي ص/ 409: "النمص: هو نتف شعر الحواجب ليرققا، وهو ممنوع"، وجاء في الفواكه الدواني للنفراوي 2/ 311: "أما قصّهما أو حلقهما فلا منع فيه؛ لأن المنهي عنه إنما هو النتف".

 

ومن الحنابلة: جاء في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للرحيباني 1/ 87: "ولا بأس بحفّ شعر وجه، وقصّ وحلق، وتحسينه لامرأة؛ لأن المنهي عنه النمص، وهو نتف شعر وجهها... فالحلق والقص لا يدخل فيه". وإذا جاز للمرأة، فإنه في حق الرجل لمنع الأذى أو العيب أولى بالصحة بالوسائل غير النتف.

 

ثانيًا: حكم الأخذ من الحاجب إذا طال وغطى العين لدفع الأذى

 

اتفق العلماء على أن الشعر إذا زاد زيادة مؤذية أو غطى على البصر، شُرع للرجل أخذ الزائد وتخفيفه، نص الإمام أحمد بن حنبل: جاء في الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح 3/ 334: "وقال يعقوب بن بختان: سئل أحمد عن الرجل يأخذ من حاجبيه؟ قال: إن طالا فغطيا عينه فلا بأس، وأخذ من شاربه وأظفاره وحاجبيه".

 

من الحنفية: جاء في بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية لأبي سعيد الخادمي 4/ 115:

"النمص نتف شعر الوجه... إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شارب، أو طال حاجب الرجل بما يؤذيه، فلا بأس بإزالته، بل يستحب لرفع الأذى والتنزيه".

 

ثالثًا: حكم الأخذ من الحاجب لمجرد كراهة شكله الطبيعي دون أذى بالرؤية

 

هنا يفرق العلماء بين حالتين:

 

الأولى: أن يكون الحاجب مشوهًا وفاحش الطول والكثافة خارج عن المألوف: فهذا يُلحق بالعيب، ويجوز حلقه أو قصه لإعادته للقدر المعتاد، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الفتوى رقم 13641 "إذا كان شعر الحاجبين كثيفًا بحيث ينفر منه النظر، فلا بأس بقص الزائد منهما بما يردهما إلى الحجم المعتاد، لئلا يكون مشوهًا للخلقة".

 

الثانية: أن يكون الحاجب طبيعيًّا ولكن يريد مضاهاة النساء وترقيقه تجملاً: فهذا كرهه ومنعه المحققون منعًا للتشبه والعبث.

 

قال الإمام الطبري كما نقله ابن حجر في فتح الباري 10/ 377: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، وكذا الرجل، إلا أن يكون ذلك لعلة أو دفع ضرر".

 

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في لقاءات الباب المفتوح: "أما تخفيف شعر الحاجبين للرجل: فإن كان لأجل العيب، بأن يكون قد نزل على العين وتدلى فهذا لا بأس به... أما إذا كان تجملاً كما تفعله النساء، فهذا للرجال أشد منعًا؛ لما فيه من التشبه بالنساء".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

قاعدة "المشقة تجلب التيسير":

 

فإذا كان طول شعر الحاجب يسبب مشقة بصرية أو حسية لأخيك أثناء الرؤية، فإن الشريعة تبيح له التخفيف بالحلق أو القص تيسيرًا عليه ودفعًا للعسر عنه.

 

قاعدة "الضرر يُزال":

 

الضرر الناتج عن انحجاب الرؤية الجزئي بسبب الشعر الكثيف هو ضرر حقيقي ثابت، وإزالته بالحلق وسيلة مشروعة لاستعادة سلامة البصر والعين.

 

قاعدة "المرجع في العيوب إلى العُرف":

 

فإذا كان منظر الحاجب خارجًا عن حد التناسب المعتاد لخلق الرجال بحيث يُعد في العرف تشوهًا أو عيبًا منفرًا، فإن إزالة التشوّه جائزة؛ لأن القاعدة الفقهية تجيز "تعديل الخلقة لإزالة العيب" ولا تعد ذلك من "تغيير خلق الله لطلب الحسن".

 

قاعدة "الأصل في الزينة الإباحة حتى يقوم دليل التحريم":

 

وحيث إن دليل التحريم ارتبط بالنتف والترقيق المقترن بطلب الحسن والتشبه، فإن الحلق للرجل بداعي الحاجة وبنية دفع الأذى أو ضبط المظهر عن الفحش المشوه يبقى على الإباحة الأصلية. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

المايكروبليدنج (Microblading) ..الكيفية والحكم الفقهي

العمليات التجميلية المعاصرة.. رؤية فقهية مقاصدية

حكم استعمال الخيط في إزالة شعر الوجه للنساء

الرابط المختصر :