الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
158 - رقم الاستشارة : 4524
09/04/2026
أعمل كطبيبة في مستشفى ريفي، وطبيعة المناوبات تفرض عليّ البقاء في غرفة استراحة الأطباء المشتركة مع زميل لي في ساعات المتأخرة من الليل، حيث لا يوجد ممرضون في ذلك القسم أحياناً. الباب مغلق لكن يمكن فتحه بأي وقت من قبل الإدارة. هل تُعد هذه خلوة محرمة؟ وكيف أوازن بين واجبي المهني في إنقاذ المرضى وبين الضوابط الشرعية؟"
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أهلاً بكِ أختنا الطبيبة، وأعانكِ الله على أداء هذه الأمانة العظيمة معالجة المرضى وتخفيف آلام الذين يتألمون، إنّ عملكِ في المناطق الريفية هو ثغر من ثغور الخير، وموازنتك بين الانضباط الشرعي والواجب المهني تدل على يقظة ضميرك.
اختصارًا: لا أخفيكِ سرًّا الوضع الذي تصفينه على الحال الوارد في السؤال في غاية الخطورة، شرعيًّا، واجتماعيًّا، ولقد فاجأني أن المستشفى لا ينتبه إلى أن هذا الوضع لا يليق، ولا يجوز لمسلمة أن توافق على المضي في عمل هذا طبيعته، وعليكِ أن تسعي بكل طريقة لتغيير هذا الوضع، أو تغيير عملك، وسأعطيك بعض النصائح المفيدة في نهاية هذه الفتوى.
تعريف الخلوة في الفقه الإسلامي
يرى جمهور الفقهاء أن الخلوة المحرمة هي: "انفراد رجل بامرأة أجنبية في مكان لا يدخله أحد إلا بإذنهما، ويأمنان فيه من دخول غيرهما عليهما".
• الحنفية: ركّزوا على "المانع"، فإذا وجد ما يمنع من الجماع (سواء كان مانعًا طبيعيًّا أو شرعيًّا أو وجود شخص ثالث) انتفت الخلوة.
• المالكية والشافعية والحنابلة: اشترطوا غيبة الأعين، فكل مكان يحجب الأبصار عن الناس يُعد خلوة، حتى لو كان في صحراء واسعة طالما لا يراهما أحد.
وقد توسع الفقهاء المعاصرون في المفهوم لمواكبة بيئات العمل الحديثة، وظهر مصطلح "الخلوة الحكمية وهي وجود الرجل والمرأة في مكان مغلق، حتى لو كان بالإمكان فتحه، إذا كان العرف يمنع الدخول المفاجئ (مثل طرق الباب أو الاستئذان)، مما يوفر نوعًا من الخصوصية التي قد تفضي إلى المحظور.
بناءً على المعطيات التي ذكرتِها (غرفة مغلقة، ساعات ليل، غياب الممرضين) فالرأي الذي ترتاح إليه النفس ويوافق القواعد الشرعية ومقاصد الشريعة، أن هذه خلوة محرمة، لا تحل؛ لقول النبي ﷺ: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان". فوجود الباب المغلق، حتى لو كان قابلاً للفتح من الإدارة، يعطي شعورًا بالأمان من الرقابة المباشرة، خاصة في ساعات الليل المتأخرة التي يقل فيها المارّة.
حلول عملية:
1- اطلبي من الإدارة تغيير المناوبات فيكون الرجال ليلاً والنساء نهارًا، أو أنت يومًا بمفردك، وزميلك يومًا بمفرده.
2- اطلبي من الإدارة وجود عنصر ثالث دائمًا، وإذا خرج لأي سبب اخرجي معه.
3- فإن تعذر فلتقضي اليوم في مكاتب الاستقبال العامة بدلاً من الغرف المغلقة.
4- ابقي مع المرضى ولو كان الأمر أقل راحة، فسلامة الدين والعرض أولى من الراحة.
5- اطلبي نقلك إلى مستشفى أكبر حيث يتوافر مكان مخصص للنساء، أو عدد كبير من الرجال والنساء يمنع الخلوة والاختلاط المحرمين.
أما إذا كان الباب مغلقًا تمامًا والوقت ليلاً ولا يطرق الباب أحد عادةً، فهي خلوة حكمية يجب تجنبها.
قاعدة "سد الذرائع" واتقاء الشبهات
الفقه الإسلامي لا ينظر فقط إلى "هل الفعل حرام لذاته؟"، بل ينظر إلى "إلى ماذا يؤدي هذا الفعل؟".
• اتقاء الشبهات: قال النبي ﷺ: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". بقاؤكِ في غرفة مغلقة مع زميل -حتى لو كنتما تقرآن القرآن- يضعكِ في موضع شبهة أمام ضعاف النفوس، وهذا ما يغذي السمعة السيئة التي اشتهرت عن العاملين في هذا المجال.
• حرمة العِرض: حماية سمعتكِ كطبيبة هي "مقصد شرعي" لا يقل أهمية عن أداء العمل؛ لأن سوء السمعة قد يعطل مسيرتكِ المهنية والدعوية لاحقًا. الفقهاء الذين أجازوا العمل المشترك اشترطوا أن يكون المكان "مبذولاً" أو "مطروقًا".
• أما إذا كان الباب مفتوحًا أو كان المكان عامًّا مطروقًا، فقد خرجتِ من حد "الخلوة" إلى حد "الاجتماع العام". والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية.. مشاركات وضوابط