الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 6282
03/11/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أريد أن أرفع لفضيلتكم هذه الاستشارة الفقهية لبيان الحكم الشرعي في مسألة تشغل بالي وتثير حيرتي بعد ما رأيته مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكرر في الآونة الأخيرة قيام بعض المشاهير والمؤثرين، ومنهم الشابة المحجبة المعروفة بمحتوى الطبخ "عبير الصغير" وقبلها مشاهير آخرون، بإقامة حفلات زفافهم وأعراسهم في مدينة البتراء الأثرية في الأردن، والتقاط الصور التذكارية ونشرها.
ما يقلقني يا فضيلة الشيخ ويعمل في نفسي هو ما نعلمه من السيرة النبوية المشرفة، من أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما مرّ بديار عاد وثمود (مدائن صالح) في غزوة تبوك، أمر الصحابة بالسرعة في المشي والدخول، ونهى عن المكوث فيها أو الشرب من مياهها، وقال ما معناه ألا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، خشية أن يصيبكم ما أصابهم من العذاب واللعنة، لأنها أماكن أهلك الله فيها قوماً كفروا وعصوا أمره فحق عليهم العذاب الباقي أثره.
سؤالي واستفساري يتلخص في شقين؛ الأول هل منطقة البتراء الأثرية في الأردن، والتي كانت عاصمة للأنباط، تدخل تاريخياً وجغرافياً وضمنياً في حكم تلك الأماكن المغضوب عليها وديار المعذبين المنهي عن البقاء فيها والتبسط في الفرح والنزول بها؟
والشق الآخر هو ما حكم إقامة الفرح والأعراس وحفلات الزفاف والبهجة في مثل هذه المناطق الأثرية التي ارتبطت بأقوام هلكوا بذنوبهم، وهل يصح شرعاً تحويلها إلى ساحات للاحتفال والمكوث الطويل لإقامة المناسبات السعيدة؟
أرجو من فضيلتكم تفصيل الحكم الشرعي في هذه المسألة ليتضح الأمر لي وللناس، وجزاكم الله عنا كل خير ونفع بعلمكم الإسلام والمسلمين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تُعد
هذه المسألة من النوازل المعاصرة التي أفرزتها وسائل التواصل الاجتماعي والبحث عن
"التميز" في التصوير والمناسبات دون التفات للضوابط الشرعية والمقاصد
المرعية، وإن الشريعة الإسلامية جاءت لتربط قلب المسلم بالآخرة، وتجعله معتبرًا
متعظًا بمصارع الأمم الغابرة، لا لاهياً غافلاً يرقص على أنقاضهم. وما ذكرته من
إقامة حفلات الزفاف في المناطق الأثرية للأمم البائدة يتقاطع مع أحكام زيارة
القبور وديار الهالكين.
اختصارًا:
أولاً: من
الناحية التاريخية والجغرافية، مدينة "البتراء" في الأردن هي عاصمة
"الأنباط"، وليست هي "ديار ثمود" مدائن صالح الحِجْر التي مر
بها النبي ﷺ في غزوة تبوك. ولم يثبت بنص شرعي قطعي أن الأنباط أُهلكوا بعذاب
استئصال إلهي كقوم عاد وثمود، بل سقطت دولتهم تاريخيًّا على يد الرومان. وعليه،
فإنها لا تأخذ "حرفيًّا" حكم ديار المعذبين المنهي عن دخولها إلا
بالبكاء.
ثانيًا:
رغم عدم دخولها في مسمى ديار المعذبين، فإنه لا يجوز شرعًا إقامة حفلات الزفاف
والأعراس والرقص في مدينة البتراء الأثرية أو ما شابهها من الآثار لسببين رئيسيين:
أن
هذه المعالم المنحوتة في البتراء كالخزنة وغيرها هي في أصلها المعماري والتاريخي
"مقابر" ملوك الأنباط وأعيانهم، وإقامة الأفراح فوق القبور أو بينها
منتهك لحرمة الموتى.
والثاني:
أن المساكن الخاوية للأمم البائدة جُعلت في القرآن الكريم للعبرة والاتعاظ،
وتحويلها إلى ساحات للفرح والزينة يتناقض كليًّا مع المقصد الشرعي من إبقائها
ورؤيتها.
وأخيرًا
الطباخة المحجبة المشهورة ليست قدوة، وأغلبهم لا فقه له وضعته ظروف الشهرة في موضع
العالم ببواطن الأمور، ومعظمهم يطلبون لقمة عيشهم، ولا رسالة لهم في أي شأن من الشؤون.
وتفصيلاً:
الشق
الأول: هل البتراء هي من ديار المعذبين؟
ثبت
في الصحيحين البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله
ﷺ قال لأصحابه لما مروا بالحِجْر ديار ثمود: "لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ
الْمُعَذَّبِينَ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ
فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ".
"الحِجْر"
المذكورة في الحديث هي "مدائن صالح" وتقع في شمال غرب المملكة العربية
السعودية، وهم قوم ثمود. أما "البتراء" فهي في جنوب الأردن وكانت عاصمة
دولة الأنباط. الأنباط وهي أمة عربية قديمة نحتوا الجبال كقوم ثمود، مما جعل البعض
يخلطون بينهم. وبما أنه لم يرد نص قرآني أو نبوي بأن الأنباط أُهلكوا بصيحة أو
خسف، فلا يُنزل عليهم نص الحديث بشكل مباشر، ولا يُحكم على البتراء بأنها من ديار
المعذبين التي يحرم شرب مائها أو المكوث فيها.
الشق
الثاني: حكم إقامة الأعراس وحفلات الزفاف في البتراء والمناطق الأثرية البائدة:
حتى
مع نفي كونهم من المعذبين بنص، فإن إقامة الأفراح هناك ممنوعة شرعًا لما يلي:
البتراء
مدينة مقابر والمنع لعلة القبور:
أثبتت
الدراسات الأثرية والتاريخية أن المعالم الكبرى المنحوتة في البتراء مثل الخزنة
والدير ومقابر الملوك هي في الحقيقة أضرحة ومقابر نُحتت لدفن موتاهم.
وقد
نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد أو أماكن للاحتفال. قال ﷺ: "لا تجعلوا
قبري عيدًا" رواه أبو داود وصححه الألباني، وإذا كان قبر النبي ﷺ لا يُتخذ
عيدًا أي مكانًا يعاد إليه للاحتفال والتجمع المتكرر، فقبور غيره من باب أولى.
ونص
علماء الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" على
المنع الشديد من اتخاذ القبور والمقابر أماكن للتبسط، أو الجلوس عليها، أو اتخاذها
ساحات للأعياد والاحتفالات؛ لأن القبور شُرعت زيارتها لتذكر الآخرة. فكيف بمن يقيم
زفافه وموسيقاه وفرحه بين آلاف القبور والأضرحة؟ هذا يتنافى مع تعظيم حرمة الموتى،
سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، فالقبر له حرمته.
مناقضة
المقصد الشرعي من رؤية آثار الأمم البائدة فالأصل الاعتبار لا الاحتفال:
أمر
الله تعالى في كتابه الكريم بالسير في الأرض للاتعاظ بحال من سبق، فقال تعالى:
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلُ}، وقال تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}.
وبيّن
المفسرون والفقهاء أن المرور بديار الأمم البائدة ومساكنهم الخاوية مقصده الشرعي
هو "الاعتبار، والتفكر في زوال الدنيا، والخوف من مكر الله". وتحويل هذه
الأماكن الموحشة التي تدل على فناء أصحابها وزوال ملكهم إلى أماكن للرقص، والزفاف،
والتباهي بالملابس والتصوير، هو ضد ذلك كله، ومناقضة صريحة لأمر الله بالاتعاظ.
وما
يفعله هؤلاء المشاهير هو من العبث والغفلة والجهل بالضوابط الشرعية، ولا ينبغي
لمسلم يرجو الله واليوم الآخر أن يتخذ مقابر الأمم السابقة ومساكنهم الخاوية
مسرحاً لأفراحه ومسراته.
القواعد
الفقهية الحاكمة في إقامة الحفلات على آثار الأمم البائدة:
الأمور
بمقاصدها: المقصد من إقامة الزفاف هو إعلان الفرح والسرور، والمقصد الشرعي من التواجد في
المقابر وديار الأمم البائدة هو الحزن والاعتبار وتذكر الآخرة. والجمع بينهما
متناقض شرعًا، فيُمنع إحداث ما يناقض مقصد المكان.
سد
الذرائع: منع كل ما يُفضي إلى محرم أو إلى قسوة القلب والغفلة عن تذكر الموت. والتبسط في
أماكن القبور والآثار ذريعة لقسوة القلوب ونسيان سنن الله في الأمم الغابرة.
درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح: مصلحة هؤلاء المشاهير في الحصول على صور
جميلة وفريدة لزفافهم وهي مصلحة دنيوية معارضة بمفسدة عظيمة وهي انتهاك حرمة
المقابر، والغفلة عن آيات الله في الأمم البائدة، وتشريع سنن سيئة يقلدهم فيها
عوام المسلمين، فكان درء هذه المفسدة مقدمًا بلا ريب. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: