الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
55 - رقم الاستشارة : 4493
03/04/2026
أنا سيدة بحكم علاقاتي الاجتماعية أحضر في كثير من المجالس النسائية، وفي هذه المجالس يصعب تجنُّب الغيبة، إذ تتحدث الحاضرات عن أشخاص يعرفنهم أو ينتقدن سلوكيات الآخرين.
أنا لا أشارك معهم في هذه الغيبة، لكني أستمع مرغمة بحكم وجودي وأشعر بالضيق والإثم لاحقًا، وألوم نفسي.
فهل مجرد البقاء في هذه المجالس يُعدُّ إثمًا؟
وهل يجب علي نهيهن عن ذلك؟
وما الطريقة العملية التي أصون بها نفسي عن الإثم إن استمروا دون أن أُحرج أحدًا أو أقاطع جلساتهن؟
مرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك جزيل الشكر على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويحفظ لسانك وسمعك من كل سوء، وأن يثبتك على الحق ويجعلك مباركة أينما كنت، وأن يرزقك الصحبة الصالحة التي تعينك على طاعة الله وتأخذ بيدك إلى الجنة، وبعد...
فإن شعورك بالضيق والندم بعد سماع الغيبة هو علامة يقظة إيمانك، وحياة قلبك؛ فالمؤمن الحق هو الذي لا يطيق المنكر حتى لو لم يفعله بلسانه. وما حكيتِه لنا هو ضريبة العيش في مجتمعات غلبت عليها الغفلة؛ لكن الله -تعالى- جعل لكل ضيق مخرجًا، وجعل لنا في شرعه ومنهاج نبيه ﷺ سعةً وصيانةً لأنفسنا وأعراض المسلمين.
حكم البقاء في مجالس الغيبة
إن مجرَّد البقاء في مجلس تُرتكب فيه الغيبة مع القدرة على الإنكار يُعدُّ مشاركةً في الإثم، حتى وإن صمتِّ بلسانك؛ فالسمع هو أحد أبواب القلب، والمستمع شريك للقائل في الإثم ما لم يُنكِر.
ولقد وضع الله -عز وجل- قاعدة صريحة في التعامل مع مجالس الخوض في الباطل، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكمْ فِي الْكتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].
فلاحظي أختي الكريمة قوله تعالى: ﴿إِنَّكمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾، وهذه «المثلية» تأتي من السكوت والرضا الضمني؛ لأن الرضا بالمعصية معصية. فالقلب الذي لا ينفر من المعصية يبدأ تدريجيًّا الاعتياد عليها حتى تموت فيه الغيرة على الدين.
وجوب النهي عن الغيبة
نعم، يجب عليك النهي عن ذلك الإثم بما تستطيعين، وهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الوجوب يتدرج بحسب القدرة والحكمة، لقول النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم].
والتغيير بالقلب في حالتك لا يعني مجرد الكراهية الداخلية مع الاستمرار في الجلوس والاستماع؛ بل يعني كراهية الفعل وفراق المكان إذا لم يُستجَب لنصحك.
وتذكري أختي الفاضلة أن ذبَّك عن عرض أخيك أو أختك في غيبته له أجر عظيم جدَّا، فقد قال النبي ﷺ: «مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه ردَّ اللهُ عن وجهِه النَّارَ يومَ القيامةِ» [رواه الترمذي]. فبدلًا من أن يكون المجلس وبالًا عليك، اجعليه فرصة لنيل هذا الثواب العظيم.
كيف نصون النفس دون إحراج الآخرين
أختي الفاضلة، إن تعاملك مع المجالس النسائية يحتاج إلى ذكاء اجتماعي ممزوج بتقوى الله عز وجل، وإليك هذه الخطوات العملية، والمتدرجة.
1- تحويل دفة الحديث:
عندما يبدأ الحديث في أعراض الناس، بادري فورًا وبابتسامة لطيفة بتغيير الموضوع إلى موضوع مفيد أو مباح الحديث فيه. فهذا التغيير العفوي يقطع حبل الغيبة دون أن تشعر إحداهن بأنك تعظينهم بشكل مباشر ومفتعل.
2- إظهار الضيق وعدم المشاركة:
عندما تبدأ الغيبة، ولم تستطيعي تحويل دفة الحديث، فانشغلي بذكر الله -سبحانه وتعالى- سرًّا، أو بتناول شرابك، أو انظري في هاتفك، المهم أن يظهر عليك الضيق، وأنك لا تشاركينهم في هذا الجزء من الحديث. الصمت الثقيل مع عدم التفاعل يرسل رسالة غير لفظية للحاضرات بأن هذا الكلام لا يرضيك.
3- الاعتراض اللطيف:
إن لم يفلح تحويل الحديث أو إظهار الضيق والرفض، فيمكنك قول جمل قصيرة تكسر حدة الغيبة دون تجريح، مثل: «الله أعلم بظروفها، لعل لها عذرًا لا نعرفه»، أو «دعونا منها، فكلنا عيوب والستر جميل». هذه الكلمات البسيطة تكبح المتحدثة، وتجعلها تراجع نفسها.
4- الانسحاب المبرر:
أما إذا شعرتِ بأن المجلس غرق تمامًا في الغيبة ولم ينفع التلميح ولا التصريح، فقومي بحجة مقبولة: «أعتذر منكم، تذكرت اتصالًا مهمًّا يجب أن أجريه»، أو: «سأذهب للمطبخ لأرى هل تحتاج فلانة مساعدة»، ثم عودي بعد أن ينتهي ذلك المحور من الحديث.
فالمؤمن الحريص على دينه قد يضطر أحيانًا للانسحاب ليحمي قلبه، والناس بمرور الوقت سيعرفون عنك سمت الصالحات، وسيهابون الغيبة في وجودك، وهذا بحد ذاته دعوة صامتة، قد تجعلهم ينتبهون لخطورة وإثم ما يتكلمون به، ومن ثمَّ يمتنعون عنه.
وختامًا أختي الفاضلة، إن صيانة دينك أغلى من إرضاء الخلائق، ومجاملة الناس في معصية الله هي خسران مبين. فكوني قوية بالله، واعلمي أنك إذا تركت الجلوس في مجلس سوء لله، عوَّضك الله مجالس ذِكرٍ تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة.
ابدئي بالتلميح، ثم التصريح اللطيف، ثم الانسحاب إذا لزم الأمر، وستجدين أن هيبتك واحترامك سيزيدان في قلوبهن؛ لأن الله يرفع من استعلى بتقواه.
وفقك الله ورعاك، وثبتك على الإيمان والطاعة.
روابط ذات صلة:
كيف أوازن بين حفظ اللسان والمشاركة في أحاديث المجالس؟