الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5260
06/07/2026
تأخرت في إخراج زكاة المال وحاليا مع تغيير سعر العملة وسعر الذهب المبلغ الخاص بالزكاة قيمته قلت عن الوقت الذي وجبت فيه الزكاة فأي القيمتين يجب علي إخراجها، وقت الوجوب أو وقت أداء الزكاة، وجزاكم الله خيرا
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الزكاة لهي
ركن من أركان الإسلام، وهي حق مالي يتعلق بالمال بشرط بلوغ النصاب، ومرور الحول،
والأصل إخراج الزكاة فور استحقاقها دون تأخير، والتأخر في إخراجها بعد وجوبها دون
عذر شرعي هو تفريط يوجب التوبة والاستغفار، وتظل الزكاة دينًا مستقرًا في ذمة
المزكي لا يسقط بالتقادم. ومع التغيرات الاقتصادية وتذبذب أسعار العملات والذهب،
وضع الفقه الإسلامي قواعد دقيقة تضمن براءة ذمة المزكي وعدم إلحاق الضرر بالفقراء
والمساكين.
اختصارًا: حساب مقدار الزكاة وتحديد قيمتها يكون بوقت الوجوب أي يوم تمام الحول
وانقضاء العام لا وقت الأداء؛ لأن الزكاة وجبت في ذلك اليوم فصارت ديناً ثابتاً في
الذمة.
ومع ذلك، يختلف الحكم التفصيلي بحسب نوع الزكاة التي
تؤديها:
فإذا كانت الزكاة عن نقود سائلة يجب عليك إخراج النسبة
الواجبة 2.5% من أصل المبلغ الذي كان معك يوم وجوب الزكاة. وانخفاض القيمة
الشرائية للعملة أو تغير سعر الصرف بعد ذلك لا يلزمك بزيادة رعايةً للقيمة الاسمية
للعملات، فالنقص هنا يدخل على مال المزكي وحق الفقير معا وتلك طبيعة النقد.
إذا كانت الزكاة عن ذهب أو عروض تجارة وتريد إخراجها نقدًا
فالأصل عند جمهور العلماء هو تقويم الذهب أو البضائع بسعرها يوم الوجوب. ولكن، بما
أنك تأخرت مفرِّطًا وتغيرت العملة بحيث لو دفعت القيمة القديمة فلن تشتري للفقير
نفس المقدار المستحق له من الذهب أو البضاعة، فإن الفتوى المستقرة حديثًا تنصح
وتوجب -احتياطًا وبراءة للذمة- تقويمها بسعر وقت الأداء اليوم، أو إخراج الزكاة من
عين الذهب أو البضاعة، منعًا لإلحاق الضرر بالفقراء بسبب تأخيرك.
أولاً: حكم تقويم الزكاة بوقت الوجوب عند جمهور الفقهاء
ذهب جماهير العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى
أن الزكاة تُحسب وتُقوّم قيمتها بناءً على أسعار يوم وجوبها تمام الحول؛ لأن الذمة
تشغل بالحق في ذلك الوقت بالتحديد.
من الفقه الشافعي: جاء في المجموع شرح المهذب للإمام
النووي ج6/ ص 67: "أن الاعتبار في قيمة عروض التجارة بيوم آخر الحول، لأنه
وقت وجوب الزكاة، فاعتبرت القيمة فيه".
من الفقه الحنبلي: جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع
للعلامة البهوتي ج2/ ص 229: "وتعتبر القيمة أي في عروض التجارة وما يُقوّم
وقت الوجوب؛ لأن الصلاحية تعبر بتمام الحول، وهو وقت وجوب الزكاة، فاستقر الحق
فيه".
ثانيًا: حكم تغير قيمة العملة الورقية وأثرها في الديون
والزكاة
العملات الورقية المعاصرة تأخذ أحكام النقود السيادية
الذهب والفضة في كونها تُقضى بأمثالها وأرقامها الاسمية لا بقيمتها الشرائية، ما
لم تنهر العملة تمامًا.
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:
جاء في الفتوى رقم 19001: "الزكاة
تجب في المال بمرور الحول عليه، ويجب إخراجها فوراً، فإذا تأخر المزكي في إخراجها
لغير عذر فهو آثم، وتخرج الزكاة على حسب الحساب الذي وجبت فيه يوم تمام الحول، ولا
أثر لتغير أسعار العملة ارتفاعاً أو هبوطاً بعد استقرار الذهب أو النقد في الذمة".
ثالثًا: مراعاة مصلحة الفقير عند تأخير زكاة الذهب أو
التجارة
إذا كانت الزكاة واجبة في أصلٍ غير نقدي كالذهب أو
السلع، وتأخر المزكي حتى انخفضت قيمة العملة، فإن إخراج القيمة النقدية القديمة
يضر بالفقير، وهنا يرى المحققون المعاصرون إلزام المزكي بسعر يوم الأداء تلافيًا
للضرر الناتج عن مطل وتأخير الغني.
جاء في فتاوى قطاع الإفتاء بالكويت:
"إذا وجبت الزكاة في ذهب أو عروض تجارة وتأخر
المزكي في إخراجها، فالأصل إخراجها من عينها، فإذا أراد إخراج القيمة فالواجب
إخراج قيمة يوم الأداء إذا كان في ذلك مصلحة للفقير، أو إذا كان تأخير الإخراج
بسبب تفريط من المزكي؛ لأن التأخير تفريط والتفريط يوجب الضمان الأعلى لحق
الفقراء".
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: "الديون تُقضى بأمثالها لا بقيمها"
وتطبق هذه القاعدة في زكاة النقود السائلة؛ فإذا وجب
عليك مثلاً 1000 دولار قبل أشهر، وتأخرت في دفعها، فإن ذمتك مشغولة بـ 1000
دولار عينًا، ودفعها يبرئ الذمة فقهيًّا بغض النظر عن هبوط قوتها الشرائية؛ لأن
الشريعة لا تلزم المستقر في الذمة من النقد بغير مثله العددي تجنبًا لشبهة الربا.
قاعدة: "التفريط يوجب الضمان"
بما أن تأخير الزكاة عن وقتها دون عذر هو تفريط ومخالفة
لأمر الشارع، فإن النقص الحاصل في مال الزكاة المقوم كالذهب أو عروض التجارة نتيجة
هبوط العملة يضمنه المزكي، وذلك بأن يدفع القيمة الحالية وقت الأداء التي تمكّن
الفقير من نيل حقه كاملاً دون بخس.
قاعدة: "الضرر لا يزال بالضرر" وينبثق عنها
"مراعاة حظ الفقراء"
الزكاة شُرعت أصالةً لسد حاجة الفقير، فإذا تسبب تأخير
المزكي في تقليل المنفعة الواصلة للفقير نتيجة لتغير أسعار الذهب والعملات، وجب
تقديم الجانب الذي يرفع الضرر عن الفقير، وهو التقويم بسعر يوم الإخراج الفعلي في
الأموال المقومة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: