الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
181 - رقم الاستشارة : 4393
18/03/2026
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في مدينة تكثر فيها الجمعيات والمراكز الدعوية. أصارحك بأنني أعاني من صراع داخلي مؤلم؛ فكلما رأيتُ داعيةً آخر يُشار إليه بالبنان، أو مركزًا دعويًّا يحقق نجاحًا باهرًا، شعرتُ بضيق في صدري ونفور تجاههم.
أخشى أن يكون هذا (حسدًا) معنويًّا يفسد عملي، خاصة وأنني أحيانًا أجد نفسـي أتتبع عثراتهم لأبرر لنفسـي أنني (أفضل) منهم. كيف يعالج الداعية هذا (السلوك التنافسـي السلبي)؟ وكيف أصل إلى مرحلة (الغبطة) التي تحفزني على العمل دون أن أتمنى زوال النعمة عن زملائي في الميدان؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ الصادق مع نفسه. إن ما وصفتَه هو (جهاد النفس) في أسمى صوره؛ فالحسد بين أصحاب التخصص الواحد أو ما يسميه العلماء (حسد الأقران) هو من أخطر الآفات التي قد تصيب الدعاة وتعيق انطلاق الدعوة وتماسك المجتمع.
إنَّ علاج هذا السلوك يكمن في تحويل (طاقة الحسد) إلى (طاقة إنجاز)، وإليك هذه المنهجية الوقائية والعلاجية:
أولاً: فهم الطبيعة السلوكية للحسد (التشخيص): يشير التحليل السلوكي في دراسة الحسد إلى أن (العين) ليست مجرد نظرة، بل هي (انفعال نفسـي) ينبع من شعور بالنقص تجاه تميز الآخرين. عندما تشعر بالضيق لنجاح غيرك، فأنت في الحقيقة تفتقد (الرضا عن ذاتك). اعلم أن نجاح زميلك هو (قوة للإسلام) وليس (خصمًا من رصيدك)؛ فالساحة تتسع للجميع، والأرزاق (حتى المعنوية منها كالشهرة والقبول) مقسومة بحكمة إلهية.
ثانيًا: التحول من (الحسد) إلى (الغبطة) (المنافسة البيضاء): الغبطة هي الحل السلوكي الشـرعي؛ وهي أن تتمنى لنفسك مثل ما لأخيك من غير أن تتمنى زوالها عنه. انظر لتميز غيرك كـ (نموذج ملهم) لا كـ (عقبة). إذا رأيت داعيةً بليغاً، فبدلاً من تتبع عثراته، اسأل نفسك: (ما هي المهارات التي يمتلكها ويمكنني تعلمها؟). هذا التحول يحول الشعور السلبي إلى (خطة تطوير ذاتية).
ثالثًا: (سلامة الصدر) كاستراتيجية عمل: في العمل الاجتماعي والدعوي، سلامة الصدر هي (الوقود الحقيقي). إن مجتمع الدعاة الذي يسوده التوجس والحسد هو مجتمع فاشل تأكله الخلافات الداخلية. عوّد نفسك على (الدعاء بظهر الغيب) لمن تشعر تجاهـه ببوادر الحسد؛ فهذا الفعل يطفئ نيران الغيرة في قلبك ويقلبها مودة، كما ورد في الآثار أن (الدعاء بظهر الغيب يُؤمن عليه الملك ويقول: ولك بمثل).
وأنصحك ختامًا بالآتي:
O سـياسة (توزيع الثناء): تعمد أن تثني على نجاحات زملائك أمام الناس؛ فهذا يكسـر كبرياء نفسك ويجبرك على التواضع والاعتراف بفضل الآخرين.
O التركيز على (البصمة الشخصية): لكل داعية (ثغر) لا يسده غيره؛ فابحث عن موهبتك الخاصة وطورها، فمن انشغل ببناء نفسه لم يجد وقتاً لهدم غيره.
O تذكر (الهدف الأسمى): نحن خدم لهذا الدين، والهدف هو وصول الهداية للناس؛ فإذا وصلت على يد غيرك فقد تحقق الهدف، وهذا يقتضي الفرح لا الحزن.
O الرقابة الذاتية: كلما شعرت بوخزة حسد، استعذ بالله فورًا، وذكّر نفسك بأن (فضل الله واسع) لا ينقصه عطاء الآخرين.
أسأل الله العظيم أن يطهر قلبك من الغل والحسد، وأن يرزقك نفسًا راضية وقلبًا سليمًا، ويجعل منافستك في الخير طريقًا لرفعة درجاتك، ويجمع شمل الدعاة على المحبة والإخاء.
روابط ذات صلة:
كيف أتخلص من الغيرة والحسد تجاه نجاحات الآخرين؟