الحسد بين الدعاة.. أسبابه وعلاجه

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 6102
12/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب داعية، أعمل في حقل الدعوة منذ عدة سنوات، وألاحظ مع الأسف الشديد ظاهرة خطيرة بدأت تتفشى بين صفوف الدعاة، وهي ظاهرة الحسد، حيث ترى البعض يحسد الآخرين على نعم الله التي أنعم بها عليهم، سواء كانت علمًا، أو مكانة، أو تأثيرًا في الناس، أو رزقًا، أو غير ذلك من النعم.

أرى آثارًا مدمرة لهذا الداء، مثل التثبيط من العمل، وإشاعة الشائعات، والتنافس غير الشريف، وقطع العلاقات، وربما التآمر على الإخوان، مما يُضعف العمل الدعوي ويُشتت الجهود، ويفرح أعداء الإسلام بهذه التفرقة.

كيف يمكننا كدعاة أن نتعامل مع هذه الآفة الخطيرة، وأن نطهر قلوبنا من الحسد، ونزرع بدلاً منه المحبة والتسامح والتعاون، لنكون صفًّا واحدًا في مواجهة أعدائنا، وأن نبني جسورًا من الثقة والتعاون فيما بيننا، وأن نجعل الغيرة على الدين هي المحرك الأساسي لعملنا، لا التنافس الشخصي؟

الإجابة 12/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، وبارك في غيرتك على وحدة كلمة الدعاة.

 

إن ما أشرت إليه هو من أخطر الأمراض التي أصابت الأمة في مختلف عصورها، ولكنها تكون أكثر خطورة عندما تصيب الدعاة، الذين هم قدوة الناس، فإذا فسدت قلوبهم، فسد من خلفهم. لقد أشار المصطفى ﷺ إلى هذه الشدة في حديثه عن المؤمن: «المُؤْمِنُ بَيْنَ خَمْسِ شَدَائِدَ: مُؤْمِنٌ يَحْسُدُهُ، وَمُنَافِقٌ يُبْغِضُهُ، وَكَافِرٌ يُقَاتِلُهُ، وَشَيْطَانٌ يُضِلُّهُ، وَنَفْسٌ تُنَازِعُهُ»؛ فالحسد هو أول هذه الشدائد، وهو داء الأمم السابقة، كما قال ﷺ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَهِيَ الْحَالِقَةُ، لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (رواه الترمذي).

 

والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو كراهة ما أنعم الله به على أخيه، وهو من صفات النفس اللوامة التي تخالف الإيمان الصحيح، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النساء: 54). وهو يبدأ غالبًا من التنافس غير المشروع، أو الشعور بالنقص، أو حب الظهور، أو اتباع الهوى، أو ضعف الإيمان والتوكل على الله.

 

ولقد أثبت الواقع أن الحسد كان سببًا في كثير من الفتن والتصدعات في تاريخ الدعوة الإسلامية الحديثة فهو يفسد القلوب، ويورث الضغائن، ويُذهب الحسنات، كما قال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» (رواه أبو داود)، وهو داء قد يصيب الداعية بسبب نجاح أخيه في دعوته، فيحسده على ما آتاه الله من فضل، وهذا من مكايد الشيطان لتفريق الصف.

 

ولمواجهة هذا الداء الخبيث، نوصي بما يلي:

 

1. الإخلاص لله وتصحيح النية: على الداعية أن يخلص عمله لله، وألا يطلب بعمله إلا وجه الله، فإذا كانت نيته خالصة، لم يحسد أحدًا على نعمة أنعمها الله عليه؛ لأنه يعلم أن الأرزاق بيد الله، وأن النجاح في الدعوة ليس بقدرة الداعية، بل بتوفيق الله. قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

 

2. الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به: الإيمان بأن الله هو الذي يقسم الأرزاق والنعم، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. والرضا بقضاء الله وقدره يطرد الحسد من القلب، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.

 

3. تعاون الدعاة وتكافلهم: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2). فالتعاون بين الدعاة هو أعظم مانع للحسد، فإذا تعاونوا وتكاتفوا، شعروا بأنهم أعضاء في جسد واحد، وفرحوا بنجاح بعضهم البعض، وتذكَّر أن نجاح أخيك هو نجاح لك، لأن كلمة الله هي العليا، سواء كانت على يدك أو على يد غيرك.

 

4. الدعاء للأخ بما تحبه لنفسك: هكذا أمرنا النبي ﷺ بقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (رواه البخاري ومسلم). فإذا أحسست بشيء من الحسد في قلبك، فبادر إلى الدعاء لأخيك بالخير والبركة، فهذا يزيل الحسد من قلبك، ويجلب لك الأجر.

 

5. التحذير من الغيبة والنميمة والشائعات: فهي أسلحة الحسود لإيقاع بأخيه الداعية، وهي من أعظم الكبائر، وتؤدي إلى تفريق الصف وتشويه السمعة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾.

 

6. تذكير النفس بعاقبة الحسد: أنها خسران في الدنيا والآخرة، وأن الحاسد يضر نفسه قبل أن يضر غيره، فهو في شقاء دائم، وغم لا يفارقه، وقد يفوته من الخيرات ما لا يعد ولا يحصى، وبينما هو يحسد غيره، تضيع عليه أوقاته وأعماله.

 

وأنصحكم ختامًا بالآتي:

 

• تحلوا بالصبر والعفو، واعلموا أن سنة الله في خلقه هي الابتلاء، وأن الحسد من أشد البلاء على القلوب، ولكن الصبر عليه والإعراض عنه من علامات الإيمان.

 

• اجعلوا نيتكم خالصة لله، واجتمعوا على كلمة سواء، ولا تختلفوا، واعلموا أن الشيطان يفرح بتفرقكم.

 

وأسأل الله العظيم أن يطهر قلوبنا من الحسد والغل، وأن يؤلف بين قلوبنا، ويجعلنا صفًّا واحدًا في سبيله، إنه سميع مجيب.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتعامل مع غيرة أقراني في مجتمع الدعوة؟

كيف يواجه الداعية ظاهرة الحسد والغيرة في المجتمع؟

كيف أتخلص من الغيرة والحسد تجاه نجاحات الآخرين؟

التعليقات

الرابط المختصر :