الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 6281
03/11/2026
السلام عليكم، أنا فتاة أقيم مع زوجي ببلد أجنبي ومرتاحة بهذا البلد، إلى الآن لم أزر أهلي منذ سنة ونصف. أعترف أنه كان تقصيراً مني بالأول، وبعدها عملت عملية أطفال أنابيب لأن زوجي مريض سرطان سابقاً وعقيم، وبقيت وقلت سأذهب بعد الولادة. الذي حدث الآن أنا بالشهر التاسع والفيزا انتهت، ولدي فقط تصريح دخول غير مضمون العودة، ولدي أجنة مجمدة بهذا البلد. والدي مريض زهايمر مرحلة متقدمة يحتاج رعاية كاملة ولدي إخوة وأخوات يقومون بذلك، ووالدتي مريضة أجرت عملية إزالة أورام قبل سفري. كان والداي راضيين عني جداً وبعدها وعدتهم سآتي بعد الولادة، ووالدي خلال مرضه بالزهايمر كان ينده باسمي ويقول متى ستأتين، ووالدتي لا زالت تقول إنها راضية عني لكني متأكدة أنها مشتاقة لي، وبنفس الوقت متأكدة أنهم لا يريدون أن أدمر حياتي وأمنع من العودة لهذا البلد لا سمح الله، وننقل أجنتنا المجمدة لبلد آخر وأترك زوجي أو يأتي للعمل ببلد آخر إذا رفض ضابط المطار دخولي لا سمح الله. ماذا أفعل هل أذهب لزيارتهم، هل علي إثم إذا لا سمح الله حدث شيء لأحد منهم ولم أره؟ قلبي يأكله الندم والخوف من المستقبل وعقاب رب العالمين لي بولدي أو مرض زوجي أو الأجنة المجمدة التي أريد نقلها مستقبلاً. ماذا أفعل هل أخاطر وأذهب خاصة وأن المحامية قالت المفروض يدخلونك، أم أبقى هنا بأمان مع زوجي وطفلي وأنتظر إقامتي وليس علي ذنب؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، ونسأل
الله أن يتمم حملك على خير، وأن يقر عينك بمولودك، وأن يشفي والديك ويربط على قلبك
ويرزقك برهما.
تعالج
هذه المسألة تعارضًا بين مصلحة عظيمة وهي "بر الوالدين وزيارتهما"، وبين
مفاسد محتملة ومحققة تتعلق بـ "حفظ النفس" ومنها حياتك وحياة الجنين في
الشهر التاسع، و"حفظ الأسرة والنسل" واستقرارك مع زوجك والحفاظ على
الأجنة المجمدة، و"دفع المشقة" مثل خطر المنع من دخول البلد وتشتت
الأسرة، والشريعة الإسلامية مبنية على رفع الحرج ودفع الضرر وتقديم درء المفاسد
على جلب المصالح. وما تشعرين به من تأنيب الضمير هو دليل على حياة قلبك وحبك
لأهلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أرحم بك وبهم من أن يكلفك ما فيه مشقة غير محتملة.
اختصارًا:
لا
إثم عليكِ شرعًا في البقاء في بلد إقامتك وعدم السفر في الوقت الحالي، بل إن
البقاء هو الخيار الأوجب شرعًا وعقلاً بناءً على معطيات حالتك. المخاطرة بالسفر في
الشهر التاسع، مع انتهاء التأشيرة واحتمالية المنع من العودة وتشتت الأسرة وضياع
الأجنة، تُعد من إلقاء النفس في التهلكة والمشقة التي رفعها الله عن عباده. طالما
أن والديك في رعاية إخوتك وأخواتك، فقد سقط عنك الإثم، ويكفيك التواصل معهم
بالهاتف والدعاء لهم، وعوضي عن تقصيرك بتكفل جزء من نفقاتهم، والسؤال عنهم، وطلب
رضاهم، ولا مجال لوساوس الخوف من عقاب الله لك في ولدك أو زوجك، لأنك في حالة
"عذر شرعي قاهر"، والله لا يعاقب المضطر.
وتفصيلاً:
أولاً:
مسألة السفر في الشهر التاسع وتفادي الخطر الطبي
السفر
في هذا الشهر يشكل خطرًا طبيًّا حقيقيًّا على حياتك وحياة الجنين، وقد تمنعه شركات
الطيران أصلاً، وقد جاءت الشريعة بحفظ النفس كإحدى كلياتها الخمس، قال تعالى:
{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195)، وقال سبحانه:
{وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:
29).
وفقهيًّا
يعامل هذا الخطر معاملة "العذر المبيح لترك الواجبات"، فكما يباح الفطر
للحامل خوفًا على نفسها أو جنينها، فمن باب أولى أن يسقط عنها واجب السفر الذي فيه
احتمال هلاك أو ضرر محقق.
ثانيًا:
مسألة انتهاء الفيزا وتشتت الأسرة والأجنة المجمدة
دخولك
في مخاطرة غير مضمونة العواقب قد يؤدي إلى منعك من العودة لزوجك، وتدمير
استقراركما، وفقدان فرصة الإنجاب مستقبلاً من الأجنة المجمدة.
وقد
قرر الرحمن برفع الحرج قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ} (الحج: 78)، وقال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185).
وقد
اتفق فقهاء المذاهب على أن الزوجة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، وأن طاعة الزوج
في الإقامة معه وحفظ بيته وأسرته مقدمة على زيارة الوالدين إذا ترتب على الزيارة
ضرر بالغ أو تشتت للأسرة.
ثالثًا:
رعاية الوالدين عند وجود إخوة وأخوات
الرعاية
المباشرة للوالدين المريضين هي "فرض كفاية" على الأبناء. بما أن إخوتك
وأخواتك يقومون برعايتهما وتوفير احتياجاتهما، فقد تحقق المقصود وسقط الإثم عنك
كغائبة لعذر.
ونص
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على قاعدة مهمة في طاعة الوالدين مفادها أن طاعة
الوالدين تجب فيما ينفعهما ولا يضر الولد، وبما أن سفرك يضرك ضررًا بالغًا صحيًّا،
وقانونيًّا، وأسريًّا، فلا يجب عليك السفر، ولا يُعد تركك للسفر عقوقًا.
رابعًا:
الخوف من عقاب الله والمستقبل
هذا
الخوف هو من وساوس الشيطان ليحزنك. عقاب الله يقع على من تعمد المعصية والتقصير
وهو قادر، أما أنت فمضطرة محبوسة بعذر الحمل والقانون.
في
الحديث الصحيح في سنن ابن ماجه وغيره وروي موقوفًا ومرفوعًا وصححه الألباني:
"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وفي صحيح
البخاري عن النبي ﷺ: "إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا
صحيحًا". فنيتك الصادقة بالزيارة لولا المانع تُكتب لك أجرًا كاملاً بإذن
الله.
اطمئني
تمامًا، ابقي في مكانك بأمان مع زوجك، واستعدي لولادتك، واستكملي أوراق إقامتك
لتضمني عودة آمنة. أكثري من الاتصال المرئي بوالديك، والدعاء لهما، وإخراج الصدقات
بنية شفائهما، وهذا من أعظم البر، وليس عليك أي إثم أو ذنب، ولن يعاقبك الله على
عجزك واضطرارك، بل سيأجرك على نيتك، والأهم لا تستسلمي لوساوس الشيطان.
خامسا:
التعامل الشرعي الصحيح مع الأجنة المجمدة
يجوز
شرعًا تجميد الأجنة الناتجة عن التلقيح الصناعي واستخدامها لاحقًا بشرط استمرار
قيام العلاقة الزوجية الشرعية بين الزوجين وقت الاستزراع، ووفقًا لما قررته
المجامع الفقهية المعاصرة. يُشترط لإباحة هذا الإجراء أمن اختلاط الأنساب عبر
توفير حفظ ورقابة طبية دقيقة، وألا تُنقل الأجنة إلى رحم الزوجة إلا في حياة الزوج
واستمرار عقد النكاح؛ فإذا انقضت الزوجية بوفاة أو طلاق، يَحْرُم استزراعها ويجب
إتلافها بطرق طبية آمنة أو تركها لتتلف طبيعيًّا. يستند هذا الضابط الفقهي إلى
المقصد الشرعي الكلي في "حفظ النسل" وصيانته من الاختلاط، وتطبيقًا
لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ
أَزْوَاجِهِمْ}، وقول النبي ﷺ: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن
يسقي ماءه زرع غيره"، مما يقصر حق الإنجاب واستخدام الأجنة على إطار الزوجية
الحية والقائمة فقط.
القواعد
الفقهية الحاكمة في زيارة الوالدين إذا تسببت في ضرر:
لا
ضرر ولا ضرار والضرر يُزال: وسفرك الآن فيه ضرر محقق عليك وعلى جنينك
وأسرتك، والشريعة تمنع إيقاع الضرر.
درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح: مصلحة زيارة الوالدين وهي مصلحة عظيمة
ولكنها معارضة بمفاسد أعظم خطرًا مثل الولادة في الطائرة أو المطارات، وتشتت
الأسرة، وفقدان الإقامة أو فقدان الأجنة المجمدة، والواجب درء هذه المفاسد ولو أدى
ذلك لتأجيل المصلحة.
المشقة
تجلب التيسير: والمشقة الحاصلة في حالتك صحية وقانونية تستوجب
التيسير بترك السفر حتى يزول المانع.
إذا
تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما: مفسدة بقائك
بعيدة عن والديك وحزنهما لغيابك أخف من مفسدة تدمير بيتك وتشتت أسرتك وفقدان
الأجنة وتعريض حياتك وجنينك للخطر وهي الأعظم ضررًا، فتُتحمل المفسدة الأخف لدفع
الأعظم.
والله
تعالى أعلى وأعلم