العمود الأحمر وتخزين الطعام.. أنا ومن بعدي الطوفان!

<p>السلام عليكم ورحمة الله..</p><p>انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، حديث يُنسب إلى النبي ﷺ نصّه: "إذا رأيتم عمودًا أحمر من قبل المشرق في شهر رمضان فادّخروا طعام سنتكم، فإنها سنة جوع".. فما مدى صحة هذا الحديث؟ وهل له أصل في كتب السنة المعتمدة؟ وما حكم نشره وتداوله بين الناس في ظل الأوضاع الحالية، خاصة إذا كان يسبب الخوف والهلع؟ وإن كان غير صحيح، فما توجيهكم في التعامل مع مثل هذه الأحاديث التي تنتشر وقت الأزمات؟ وجزاكم الله خيرًا.</p>

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اللهم افتح علينا وعليكم فتوح العارفين، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، وبعد:

 

فحياك الله أخي السائل الكريم، فهذا النوع من التثبت هو "صمام أمان" المجتمع في وقت الأزمات، وهو المنهج الشرعي السليم خاصة في أوقات الفتن، فجزاك الله خيرًا على تحري الحقيقة.

 

وللأسف الشديد واحدة من آفات عصرنا، هي سهولة انتشار الكذب على رسول الله ﷺ ورواجه بين الناس، فبعض ضعاف اليقين، ينقب عن منكرات الأحاديث لغرابتها، يبغون انتشار صفحاتهم بين الناس، يجنون ربحًا من وسائل التواصل على حساب إشاعة الخرافات، والكذب على رسول الله ﷺ، فلا أربحهم الله ولا أنجحهم، والكثرة الكاثرة من الناس، تنشر من ورائهم بلا وعي، يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم.

 

واختصارا نقول ومن الله العون، هذا الحديث (العمود الأحمر الذي يخرج من المشرق) مكذوب (موضوع) ولا يصح نسبته للنبي ﷺ بأي حال من الأحوال، والمؤمن عند الكروب يهرع إلى الصلاة، والصدقة، والتوكل على الله، لا إلى نشر الشائعات التي تفتّ في عضد المجتمع. ونشر هذا الحديث في ظل الظروف الراهنة يعتبر إثمًا ومخالفة شرعية فليكن كل منا مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر.

 

وللتفصيل، نقول:

 

أولاً: مدى صحة الحديث وأصله

 

هذا الحديث ليس له أصل في كتب السنة المعتمدة (كالبخاري، ومسلم، والسنن الأربعة، ومسند أحمد)، بل هو حديث موضوع (مكذوب) ولا يصح نسبته للنبي ﷺ.

مصدر الحديث: ورد هذا الأثر في كتاب "الفتن" لنعيم بن حماد، وهو كتاب يجمع الكثير من الأحاديث المنكرة والضعيفة التي تتعلق بالملاحم والفتن.

 

حكم العلماء: نصّ كبار علماء الحديث على بطلان هذا الأثر وأمثاله من أحاديث "العمود الأحمر" أو "الصيحة في رمضان". قال عنه الإمام العقيلي: "ليس له أصل من حديث ثقة ولا من وجه يثبت"، وأكّد غيره من المحدثين أنه من الإسرائيليات أو من وضع الكذابين.

 

ثانيًا: حكم نشره وتداوله

لا يجوز شرعًا نشر هذا الحديث أو تداوله على أنه حديث صحيح، وذلك للأسباب التالية:

 

1- الكذب على النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ".

 

2- إثارة الفزع والهلع: نشر هذه الأخبار المكذوبة يسبب قلقًا عامًّا ويدفع الناس لسلوكيات غير رشيدة (كالتخزين المبالغ فيه للطعام)، وهو ما يتنافى مع السكينة واليقين التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، ويضر أحيانًا بالأمن الاقتصادي للمجتمعات، بل ويضر بأخلاق الناس إذ يدفعهم إلى الأثرة، وكأن أحدهم يقول أنا ومن بعدي الطوفان.

 

3- استغلال العواطف: غالبًا ما تُستخدم هذه الأحاديث في الحروب النفسية أو لزيادة التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي دون أدنى مسؤولية دينية.

 

 وهذا كله لأن الحديث مكذوب، ولو كان صحيحًا لوجب علينا الامتثال، فهو هدي العليم الخبير.

 

ثالثًا: التعامل الصحيح مع الأحاديث المنكرة والغريبة

 

وفي العادة عندما تشتد الأزمات، تنشط "سوق الأحاديث الضعيفة والموضوعة" لإسقاطها على الواقع، والواجب شرعًا:

- الإمساك: لا تنشر أي حديث يتعلق بالفتن ما لم تتيقن من وجوده في "الصحيحين" (البخاري ومسلم) أو غيره من كتب السنة الصحيحة.

 

- التكذيب الواعي: إذا رأيت من ينشرها، أرسل له حكم العلماء فيها برفق، وبيّن له أن الأرزاق بيد الله وليست رهينة "عمود أحمر" مكذوب.

 

- التفريق بين التحليل السياسي والوعظ الديني: الأوضاع السياسية تحلل وفق معطيات الواقع، ولا يجوز العبث بالنصوص الشرعية وليّ أعناقها لتناسب حدثًا عابرًا.

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

كيف نتعامل مع الشائعات في زمن الحروب والأزمات؟

لماذا يقبل العقل الخرافات؟

كيف تتعامل مع الخزعبلات (الخرافات)؟