إذا كان هناك أفكار ميتة.. فهل هناك أفكار مميتة أو قاتلة تلك الأفكار التي تضر بعملية الإصلاح والتنمية والتوافق الاجتماعي، فأرجو أن تحدثنا عن الأفكار القاتلة أو الأفكار المميتة؟
أخي الكريم، بدون الأفكار
الدافعة والتصورات الصحيحة من الصعب النهوض والتقدم؛ فالحضارات دومًا تسبقها
الأفكار الصحيحة والقوية، وتلك حالة يمكن أن نسميها حالة التحلية، حيث تُؤسس
الحضارة على أفكار وتصورات قوية.
الأفكار المميتة أو القاتلة
لكن هناك حالة أخرى في النهوض الحضارة وهي حالة التخلية، أي تخلية
العقل والذهن من مجموعة من الأفكار منها الأفكار المميتة أو القاتلة، وهي الأفكار
التي تأتي بعكس المطلوب، والتي وصفها الأديب "أمين معلوف" بقوله: "مكافحة
النيران بمواد قابلة للاشتعال"، فصب تلك المواد الملتهبة على النار
المشتعلة ما هو إلا خراب ودمار، وتلك هي النتيجة الحتمية للأفكار المميتة.
الأفكار المميتة عرفها الكاتب والمفكر "خالص جلبي" في
كتابه "من الذرة إلى المجرة" بأنها: "الأفكار التي نُزعت من
بيئتها لتُغرس في بيئة أخرى، دون توافر شروط زراعتها"، وشبه تلك الحالة
بنقل الدم إلى مريض دون توافر شروط السلامة والتوافق؛ ففي تلك الحالة تتحول عملية
النقل إلى عملية تشبه القتل، رغم وجود نية صادقة –في بعض الأحيان- لإنقاذ ذلك
المريض.
ومن أمثلة ذلك: فتاوى تبرير طاعة الحكام الاستعماريين، بحجة عدم الخروج على ولي الأمر"
أو "فتاوى الهجرة" التي ظهرت في الأندلس في
المرحلة ألأخيرة من "حروب الاسترداد" النصرانية، حيث ذهبت تلك
الفتاوى إلى وجوب مغادرة المسلمين لأرض الأندلس لأنها لم تعد دار إسلام، وأصدر
الفقيه "أحمد بن يحيى الونشريسي" المتوفى (914هـ=1508م) رسالته الشهيرة
"أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر".
كان مضمون الرسالة هو إجابة على سؤال حول "إقامة المسلم
في بلد غلب عليه النصاري" فدفعت تلك الفتوى المسلمين إلى مغادرة
الأندلس، يقول محقق الكتاب الدكتور حسين مؤنس" عن التأثيرات الدرامية لتلك
الفتوى على واقع الإسلام والمسلمين في الأندلس، وقد فات هذا الفقيه: "أن
ضعفاء الناس أكثر من الأقوياء، وأن العاجزين عن الرحلة والهجرة هم الغالبية
العظمى، وأن الهجرة لم تكن إذ ذاك رحلة هينة تتوقف على رغبة المسلم الذي وقع في
ذلك المأزق، بل كانت أمرًا عسيرًا كل العسر حافلاً بالصعوبات والمخاطر والمكاره.. وقد
غابت النواحي الإنسانية عن صاحب الفتوى".
هذه الفتوى يمكن أن توصف من أنها كانت من قبيل الأفكار المميتة، حيث
وضعت الناس في مأزق بين البقاء في الأندلس ومأزق أكبر إذا طبقوها إذ كان ذلك
يعرضهم لقطاع الطرق الذين يعتدون على أعراضهم، أو يبيعونهم كرقيق في أسواق النخاسة
التي كانت منتشرة وقتها.
الخطأ في الاقتباس
تحدث المفكر "مالك بن نبي" في
كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" عن الأفكار المميتة أو
القاتلة في عالمنا الإسلامي، ورأى أن أحد وجوه تلك الأفكار هو الاقتباس
غير الواعي من المدنيات والحضارات الأخرى، تلك الأفكار التي تؤيد التبعية
وتعطيها روح الاستمرار، والتي يقوم بعض المثقفين بترويجها، والتي كان من نتائجها
إحداث الانحلال الأخلاقي والتحلل الاجتماعي.
تحدث "مالك" عن بعض الأفكار
المميتة المترسخة جوانب ثقافتنا، مثل القابلية للاستعمار، والتردد في تبني الحرية
والنضال من أجلها، وحسب "مالك" فإن خيانة الأفكار، تُوجب
انتقام تلك الأفكار ممن خانوها، فالأفكار التي قبلت الاستعمار ولم تناضل من أجل
الحرية، أنتجت خضوعا للاستعمار زاد في بعض البلدان الإسلامية عن مائة عام،
فالأفكار لا تنسى من خانوها.
نماذج
الحقيقة أن تجاوز الأفكار المميتة أو
القاتلة يفتح في الكثير من الأحيان مسارات جيدة للتنمية والنهوض والتقدم، ولعلنا
نشير في تاريخنا الإنساني إلى مجموعة من الأفكار المميتة التي قيدت حركة الناس
وقتلت إبداعهم، وبثت الخوف والعرب في نفوسهم.
ومن تلك الأفكار المميتة:
* التعجب من بشرية الرسول: قصّ
القرآن الكريم في عدد من الآيات والمواضع المختلفة تعجب المشركين والكفار من أن
يكون الرسول والنبي بشرًا، وقد أدت هذه الفكرة القاتلة إلى حجب أنوار الهداية عن
قلوبهم، فكان الكفر والظلم والشقاء، يقول تعالى في (سورة الإسراء الآية 94): ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ
أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ
بَشَرًا رَّسُولًا﴾، يقول العلامة "الطاهر بن عاشور" في تفسير تلك الآية: وهذا "التوهم
هو مثار ما يأتونه من المعاذير، فالذين هذا أصل معتقدهم لا يُرجى منهم أن يؤمنوا
ولو جاءتهم كل آية".
* بحر الظلمات: وهو الاسم
الذي أطلق لقرون على المحيط الأطلنطي، وكانت تُثار حوله الكثير من الأساطير التي
أنتجت الخوف وقيدت العقل الأوروبي، حيث كانت الفكرة السائدة أن هناك مياهًا تغلي
خلفه، وكان تجاوز هذه الفكرة وراء انطلاق الأوروبيين في حركة الكشوف الجغرافية
واكتشاف العالم الجديد.
أخي الكريم، يجب أن نتخلص من تلك الأفكار التي تعمل ضد تقدم الإنسان والمجتمع، سواء بصورتها
السلبية الجامدة أو في صورتها الفاعلة الخاطئة، فهذا نوع من التفكير الهدام.
موضوعات ذات صلة:
ما خطورةالأفكار الميتة في حياتنا الثقافية؟
ماذا نعني بكسر التابوه؟ وما استراتيجيته لتحقيق غايته؟
هل أحيا الغرب اهتمامنا بالشورى في العصر الحديث؟
لماذا تنجذب المرأة لهوس الاستهلاك المفرط؟