يلاحظ انتشار التفكير السلبي في الكثير من الأوساط، بما فيها الشبابية التي من المفترض أن تكون طاقة للأمل والإيجابية والحماسة، فما هو التفكير السلبي، ولماذا أصبح سمة في هذا العصر، وكيف نتجاوزه.
أخي الكريم، كثيرة هي الأزمات التي يعاني
منها الإنسان المعاصر، والتي قد تمده بطاقات سلبية، وإحباطات لا تنتهي، ما لم يجعل
من أفكاره الإيجابية حاجزًا وسدًّا منيعًا أمام كل تلك المثبطات.
ومن تلك العقبات والأزمات التي تواجه العقل
هي التفكير السلبي، الذي ينظر إلى كل شيء فيبحث فيه عن السيئ، وعن الأشواك لكي
يمسك بها، ومن أجمل ما وصف به هذا التفكير السلبي، في ورقة علمية في "جامعة
ستانفورد" الأمريكية من أن "التفكير السلبي يشبه التقاط علبة بنزين
وصبّها على النار".
القاعدة تقول: طريقة تفكيرنا
تشكل مشاعرنا وتصرفاتنا وحياتنا، ولها تأثيرات مباشرة على صحتنا، ومن ثم إذا
كانت طريقة التفكير سوداوية تشاؤمية، فإن المشاعر ستكون مغموسة في اليأس، وستحمل
التصرفات بصمة البؤس، أما الجسد فإنه يتلقى كل الطاقات السلبية، ويختزنها في كسل
وأمراض ووهن، وهو ما ذكره الكاتب الأمريكي "وي تي. بينيت" في كتابه
الذائع الصيت "النور في القلب": "من المهم أن تُولي
اهتمامًا لما تُغذّي به عقلك من أفكار، لأنها تُشكّل معتقداتك وتجاربك.. إن تعلمك
كيفية النأي بنفسك عن كل السلبية هو أحد أعظم الدروس لتحقيق السلام الداخلي".
منابع التفكير السلبي
التفكير السلبي، منابعه تأتي من تصوراتنا عن
الحياة وعن ذواتنا وعن أدوارنا في تلك الحياة وعلاقاتنا فيها وآمالنا التي نرغب في
تحقيقها، ومخاوفنا، ومن مسبباته:
* اعتماد التفكير المطلق أو المثالي:
فالشخص لا يرى إلا شيئين أو ضدين في الحياة ويجب أن يختار بينهما، وأن الحياة مباراة
صفرية، إما أن أكسب كل شيء، وإما خسارة كل شيء.
التفكير المثالي يؤدي إلى استرخاء نفسي
وطمأنينة موهومة، واستسهال لمتطلبات النجاح والتميز، ويمنح أشخاصًا ثقة لا
يستحقونها، وينسى أنه في بعض الأحيان "سوء الظن من الفطنة"؛
فالمثالية تجعل التوقعات غير واقعية، وكأن الحياة تنتظر استيقاظنا من
النوم لتبتسم لنا، وهذا أمر غير حقيقي، وهذه المثالية المتجاوزة للواقع، تؤدي إلى
السوداوية والأزمات النفسية والصدمات والانكسارات.
* التهويـــل: تضخيم الأشياء يخلق
تشويشًا على الأفكار والقدرات والموارد، ويجعل الشخص ينظر للأمور بطريقة غير
واقعية، فيضخم المخاوف والعقبات حتى يراها عقله كأنها جبال لا تتزحزح ولن تتحرك.
والتهويل من التشوهات المعرفية التي
قد تسبب أمراضًا نفسية، وتسبب القلق والتوتر، كما أنها تضعف العزيمة والإرادة عن
إنجاز أي مهمة، ليقين الشخص باستحالة قدرته على إنجازها، والأبحاث النفسية الحديثة
ترى أن التهويل قد يكون أحد أسباب الوسواس القهري.
كيف نتغلب على التفكير السلبي؟
هناك عدة مقترحات يقترحها الطب النفسي
والتنمية البشرية للتغلب على هذا النوع من التفكير، منها:
* كسر الدائرة: أو الخروج من الحلقة المفرغة
لهذا التفكير وعدم الدوران مع ما يطرحه من إحباطات وأفكار سوداودية، وهذا الخروج
الآمن لا يأتي إلا من خلال تغيير الأفكار والتصورات عن الذات وعن الواقع، فيمنح
الإنسان نفسه قدرًا من الثقة في قدراته وفيما سيلقى في رحلته في الحياة.
أما تغيير التصورات عن الواقع فيأتي من أنه
لا يوجد شيء مستحيل تنفيذه، وأن هناك فرصًا يمكن الاستفادة منها لتحقيق النجاح،
وأن العقبات قد لا تكون مانعة من النجاح بقدر ما تكون محفزة على تجاوزها والقفز
الآمن من فوقها.
* اعتماد الموضوعية: الموضوعية ضرورة
لتجاوز الأفكار السلبية، وهي تعني التجرد من كثير من التحيزات وبعض الأفكار
المسبقة عند النظر للأمور، وهذا الميزان يحفز على العمل، ويقلل من فرص الفشل، ويضع
الآمال والتمنيات كحافز وليس كعصابة تغمي على الإنسان النظر للأشياء على حقيقها.
* الامتنان والشكر: وهما من أقوى
الأشياء التي تقاوم التفكير السلبي، وتغسل الروح والعقل من تلك الأفكار السوداوية،
فالنعم التي منحها الله للإنسان كثيرة للغاية، والابتلاءات قليلة، والحياة الأصل
فيها الخير والعطاء، لذلك كان المعتزلة يرون أن "الشكر يجب عقلاً"؛ لأنه
إقرار بالنعمة من الخالق سبحانه وتعالى، يقول ابن الجوزي في كتابه "صيد
الخاطر": "كلما نظرت في تواصل النعم عليّ تحيرت في شكرها"،
فهذا التأمل الواعي للنعم والإيجابيات يقاوم ذلك التفكير السلبي، ولذا ينصح بعض
الأطباء النفسيين بأن يكون التأمل في النعم والامتنان لله تعالى والشكر روتينًا
يوميًّا صباحيًّا حتى يستقبل الإنسان يومه بابتسامة وتفاؤل وليس بعبوس وضيق صدر.
موضوعات ذات صلة: