شراء الذهب نسيئةً وأحكام الصرف.. فتوى نفيسة لشيخ الأزهر الأسبق

هل يجوز أن يَشتريَ الذهبَ أو المَصَاغَ نسيئةً، أو يَدفعَ (مقدَّم) والباقي على أقساط، وذلك إن كان الشراء بالأوراق النقدية؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فلا يجوز شراء الذهب سواءً أكان مصاغًا أم غير مصاغ نسيئة (أي بثمن مؤجل) يالعملات النقدية الورقية لاشتراط فورية القبض، ولاتفاق المجامع الفقهية على أن النقد الورقي يعتبر نقود حقيقية وهي تأخذ حكم الذهب والفضة في الصرف، لقول النبي الذهب بالذهب والفضة بالقضة.... سواء بسواء يدًّا بيد فمن زاد أو استزاد فقد ربى الآخذ والمعطي فيه سواء.

 

شروط صحة الصرف من غير ربا

 

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق – رحمه الله- في الرد عن فتوى مشابهة:

 

لكي يتمَّ الصرف صحيحًا من غير ربا اشترط الفقهاء أخذًا من الأحاديث ما يأتي:

 

1. أن يكون البدلان متساويَيْن بغير زيادة ولا نقصان "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما".

 

2. الحُلول: فلا يصح أن يَبيع أحدٌ ذهبًا بذهب أو فضة بفضة مع تأجيل قبض البدلَين أو أحدهما ولو لحظة "الذهب بالذهب والفضة بالفضة مِثلاً بمِثلٍ يدًا بيدٍ".

 

3. التقابُض في المجلس: بأن يقبض البائع ما جُعل مَبيعًا، فلا يفترقان بأبدانهما قبل القبض، وإنما "هاءَ وهاءَ" (خذ وهات).

 

وهذه الشروط الثلاثة إذا كان التبادل بين ذهب وذهب، أو بين فضّة وفضة.

 

أما إذا بيع أحد الجنسين (ذهب وفضة) بالجنس الآخر، أعني بيع الذهب بالفضة أو بالعكس، فإن شرط التماثل والتساوي يسقط، وحينئذٍ يصح بيع الذهب بالفضة والعكسُ من غير تماثل ولا تَسَاوٍ، بشرطين:

 

الحلول: فلا يؤجَّل قبضُ البدلَين أو أحدهما.

 

والتقابض في المجلس قبل الافتراق: فإذا افترق المتصارفان قبل أن يتقابضا فالصرف باطل.

 

وإذا كان الاختلاف في الجودة والرداءة كبيرًا ولا يَرضَى المتبادلان بالتساوي مع هذا الفرق في الجودة والرداءة، فعندئذ وتخريجًا على ما سبق بيانُه فلا يصح بيعُ واستبدالُ أُسْوِرة من ذهب وزنها عشرون جرامًا بأُسْوِرة من ذهب وزنها خمسة وعشرون جرامًا، وإن اختلف نقشهما وصياغتهما وجودة إحداهما ورداءة الأخرى؛ وذلك لأن الأَسْوِرتين لم تتساويا وزنًا.

 

والاختلاف في الجودة والرداءة لا يفسد صحة الصرف ما دام التساوي في الوزن محقَّقًا، والقبض تم في المجلس دون تأخير يمكن لكل من المتبادلَين بيع ما عنده بالنقود وشراء ما يرغبه.

 

وأيضًا في استبدال الذهب الجديد بالقديم أو العكس يُشترط التساوي في الوزن مع القبض في المجلس، ولا يصح مع تساوي الوزن في تلك الحالة أَخْذُ فرقٍ يُدفَع من أحد المتبادلَين للآخَر؛ لأن هذا الفرق يُعتبَرُ ربًا محرَّمًا رغم التساوي في الوزن والقبض في المجلس. ومثلُ الذهب القديمُ والجديدُ والمختلِفُ نقشًا وصياغةً.

 

وأنه لا بد عند استبداله بجنسه من التساوي في الوزن والقبض في المجلس. مثلُ هذا التمرُ الجيد والتمرُ الرديء، كلاهما يُستبدَل بالآخَر بشرط التساوي في الكيل والقبض في المجلس دون نظر للجودة والرداءة، وقد حدث هذا في عهد رسول اللهـ جاءه نوع من التمر جيد يسمَّى (جَنِيب) ليس فيه صفة رديئة، وسأل الرسول: "أكلُّ تمرِ خيبر هكذا؟" قالوا: لا يا رسول الله، إنا نبتاع الصاع من التمر الجَنِيب بالصاعين من التمر الجمع (الرديء). فقال رسول الله: "لا تفعل" وفي رواية: "إنه عينُ الربا، بِعِ الجَمْعَ" أي الرديء "بالدراهم واشْتَرِ بالدراهم جَنِيبًا" أي جيدًا. (يراجع نص الحديث في نيل الأوطار للشوكاني، باب الربا ج 5 ص 195).

 

حكم الصرف بالعملة الورقية المتداوَلة

 

وأما عن الأمر الآخر وهو حكم الصرف بالعملة الورقية المتداوَلة الآن، فإن النقود الورقية الموجودة في العصر الحاضر لم تكن موجودة في عصر الرسول بل كانت العملة الموجودة في عصر النبوة هي الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، وبعد العصر النبوي وبمرور الزمن تطورت النقود واختفت العملة الذهبية والفضية، ووصلت إلى الحال التي هي عليها الآن، فأصبحت عملة ورقية ورق بنكنوت وشيكات.

 

وإزاء هذا التطور للعملة الذهبية والفضية وتحولها إلى عملة ورقية عُقدت عدة مؤتمرات، وبحَثَت موضوع النقود وأحكامها، وأقرت الكثرة من الذين حضروا هذه المؤتمرات بأن العملة الورقية الحالية نقود لأنها تقوم بنفس الدور الذي كان يقوم به الدينار الذهبي والدرهم الفضي.

 

وقد نظر مَجمَع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف في مؤتمره الثاني موضوع العملة الورقية من ناحية تقدير نصاب الزكاة بها، حيث قرر أن هذه الأوراق متى بلغت قيمتُها قيمةَ نصاب الزكاة بالدنانير أو بالدراهم وجبت فيها الزكاة، وبهذا قالت مؤتمرات أخرى (مَجمَع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي، مَجمَع الفقه المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي).

 

وجملة ما قالوا: إن العملة الورقية نقود قائمة بذاتها لها حكم النقدين الذهب والفضة، وينطبق عليها أحكام الصرف. واعتبَرَت عملةَ كل دولة جنسًا قائمًا بذاته، فعند الصرف يُشترط التساوي والقبض في المجلس بالنسبة لعملة كل بلد؛ فمثلاً يُصرف الجنيه المصري بمثله من غير أي زيادة وبدون تأجيل.

 

ويجوز عند اختلاف عملات الدول عدمُ التساوي بشرط القبض في المجلس بدون تأخير؛ فمثلاً يجوز بيع وصرف جنيه مصري بريال سعودي بشرط القبض الفوري في المجلس.

 

وقد يتعذر التقابض في كثير من الحالات، وهنا يمكن أن يقوم مقام القبض الفعلي للنقد الوسائلُ العصرية المختلفة كالحَوَالة، وقد وافق عليها مَجمَع البحوث الإسلامية، والشيك "والتلكس" وكل ما يعد في العرف قبضًا. كما قامت السُّفْتَجَة قديمًا مقام القبض، ولكن لا يجوز تأخير القبض أو ما يقوم مقامه. (السُّفْتَجَة ورقة يعطيها الرجل لمن أعطاه مالَ الصرف ليقبضَ بها فورَ وصوله لمكانٍ معلومٍ مثلَ ماله، فتقوم الورقة المُعطاة مقام القبض الفوري، ومثلُها الشيك).

 

وبناءً على قرار المؤتمرات الفقهية من أن العملة الورقية الآن هي نقود قائمة بذاتها، وتقوم مقام النقدين من الذهب والفضة، فيُشترط فيها عند الصرف ما يُشترط في الذهب والفضة من التساوي والتماثل والقبض في المجلس.

 

وعليه فلو دفع رجل للصائغ ثمن سبيكة ذهب اليوم على أن يأخذها من الصائغ غدًا أو بعد غدا لعدم توفر السبيكة اليوم، فإن هذا التصرف خاطئ؛ لأن الأوراق النقدية ثمن، والذهب ثمن وليس سلعة عادية، ولا بد من القبض في المجلس، وعند إرادة الشراء لا بد أن يكون الذهب موجودًا والأوراق النقدية موجودة، فيُعطي ويأخذ "هاءَ وهاءَ".

 

هذا، واعتبار العملة الورقية نقدًا قائمًا بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة فتجب الزكاة فيها بشروطها ويجري الربا عليها بنوعيه؛ فضلاً ونسيئة، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا، باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسًا عليهما، وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة في التعامل بها، وبها تُقوَّم الأشياء في هذا العصر، وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها، ويحصل الوفاء بها والإبراء منها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في حصول الثقة بها كوسيط في التداول والتبادل، وذلك سر مَنَاطها بالثمنية.

 

وعليه فلا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب وفضة أو غيرها نسيئة مطلقًا.

 

وقد يقال: إن الذهب كما يجوز أن نشتريَه ونقبضَه يجوز مع الأجل؛ لأن الرسول جعل القبض يدًا بيد في بيع الذهب لأنه كان ثمنًا، فالعلة الثمنية، والأثمان في عصرنا هي النقود الورقية لا الذهب، لا سيما وقد قال بعض الاقتصاديين: إن الذهب لم يَعُدْ هناك علاقة بينه وبين النقود بعد أن ترك الدولار القاعدة الذهبية منذ عام 1972م فأصبح الذهب ليس ثمنًا بل سلعة كأي سلعة!

 

وهذا القول غير مقبول فقهًا ولا يُعتدُّ به اقتصادًا.

 

فمن الوجهة الفقهية: لا يجوز الخروج على النص والإجماع المنعقد والمستمر مدة أربعة عشر قرنًا، وقد قَضَيَا بأنه لا يجوز التأجيل أبدًا بالنسبة للذهب، أما العلة فهي للإلحاق لا لإخراج الأصل؛ بمعنى أن البحث عن العلة من أجل إلحاق شيء بالأصل لا لإخراج الأصل وإدخال الفرع، فالعلة إذا وُجدت في حكم لم يُنَصَّ عليه نُلحِقُه بحكم المنصوص عليه، أما إخراج الحكم المنصوص عليه فلا يصح. هذا فِقْهًا.

 

ومن الناحية الاقتصادية؛ فقد قال فريق من الاقتصاديين: إن الذهب الآن يُباح أن يُباع مع التأجيل لأنه سلعة بعيدة عن الثمنية.

 

وهذا القول كذلك غير صحيح من الناحية الاقتصادية، بدليل الواقع العلمي، فإن صندوق النقد الدولي يشترط بالنسبة لحصص الأعضاء لديه أن يكون الربع من الذهب الخالص والباقي بالعملة المحلية. وهناك هيئات دولية تشترط مثل هذا الشرط، حتى أوروبا الشرقية عندما ارتبطت بالروبل ربطته بالذهب وقدرته بالذهب. فإلى جانب صندوق النقد الدولي نجد بنك التنمية الآسيوي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وهيئات التنمية الدولية، والبنك الدولي للتعاون الاقتصادي لدول أوربا الشرقية ـ كل هؤلاء يشترطون جزءًا معيَّنًا من الذهب. وفرنسا مرتبطة بالذهب ارتباطًا كليًّا، وبلاد أخرى تحتفظ بأرصدة ذهبية بنسبة معينة من قيمة عملتها. وفي وقت من الأوقات كانت قاعدة المدفوعات في مصر بالنحاس، بحيث كان الذهب يقوَّم بالنحاس، وخسِر الناس وقتها كثيرًا لأن النحاس أصبح القاعدة، ومع ذلك لم نجد فقيهًا يقول: أخرجوا الذهب من النص وأدخلوا النحاس. لم يوجد هذا، وبعد فترة معينة عاد الذهب إلى وضعه الطبيعي، ومن الوجهة الشرعية أمامنا نص وإجماع فلا يجوز الخروج عليهما. أ. هـ باختصار وتصرف.

 

والله سبحانه وتعالى أعلم


روابط ذات صلة:

بيع وشراء الذهب الجديد بالذهب القديم

بيع الذهب والفضة بثمن مؤجل مع الزيادة في الثمن

شراء الذهب والعملات عن طريق بطاقات الدفع الآلي