هل هدد عمر عليًّا وفاطمة بالحرق إن لم يبايع؟

Consultation Image

الإستشارة 13/12/2025

هل هدد عمر بن الخطاب عليا ابن أبي طالب بحرق بيته بالنيران على بنت رسول الله إذا لم يبايع أبا بكر؟  هل يمكن أن يفعل هذا كما كتب بعض الشعراء بحسن نية أو بغيرها ؟

ورد ذلك في القصيدة العمرية للشاعر حافظ إبراهيم يقول فيها:

وقَولَةٍ لعَليٍّ قالَها عُمَرٌ ***أكرِم بسامِعِها أعظِم بمُلقيها!

حَرَقتُ دارَكَ لا أبقي عليكَ بها ***إنْ لم تُبايعْ وبنتُ المصطفى فيها

ما كان غيرُ أبي حَفصٍ يَفُوهُ بها ***أمامَ فارِسِ عَدْنانٍ وحامِيها ...

الإجابة 13/12/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فهذه الرواية باطلة سندًا ومتنًا، وهي من الأكاذيب التي لا تصح، وتتنافى مع ما ثبت من أخلاق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومكانة أهل البيت في قلبه، ومع ما عُرف من شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

 

والأحكام الفقهية والتاريخية المهمة لا تؤخذ من كتب الشعراء ولا الأدباء مع احترامنا وتقديرنا لهم، فنحن أمة السند، فلا بد من فحص الرواية سندًا ومتنًا، حتى لا نتهم خير القرون بما لم يفعله أو يجول في خاطره.

 

وهذا السؤال في غاية الخطورة حيث يمس الروايات التاريخية التي تمس علاقة اثنين من أعظم رجال هذه الأمة بعد نبيها ﷺ: أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب من جهة، وعليّ بن أبي طالب وزوجته فاطمة الزهراء بضعة رسول الله ﷺ من جهة أخرى. هذه المسألة تحتاج منا إلى تجرد تام، وإنصاف، وبحث دقيق قائم على المنهج العلمي لأهل السنة والجماعة في قبول الروايات، بعيدًا عن العواطف أو الأشعار أو الروايات الضعيفة والمكذوبة.

 

أولًا: نقد الرواية من حيث السند (الرواة)

 

الروايات التي تذكر قصة "التهديد بالحرق" كلها معلولة وضعيفة، ولا تقوم بها حجة. أشهرها روايتان:

 

1. رواية في "تاريخ الطبري": هذه الرواية مدارها على راوٍ اسمه "زياد بن كليب"، وهو لم يشهد الحادثة، بل قال: "أتى عمرُ بن الخطاب منزلَ عليٍّ...". فهو لم يقل "رأيت" أو "سمعت"، بل يروي عن حدث لم يدركه (وهذا يسمى إرسالًا أو انقطاعًا في السند)، والسند المنقطع ضعيف لا يُحتج به في الأحكام، فكيف يُحتج به في اتهام خيرة الصحابة بمثل هذا الأمر العظيم؟

 

2. رواية في كتاب "المصنَّف" لابن أبي شيبة: هذه الرواية فيها راوٍ اسمه "محمد بن بشر" يروي عن "عبيد الله بن عمر" عن "زيد بن أسلم" عن أبيه "أسلم مولى عمر".

 

وزيد بن أسلم ثقة، لكنه يروي عن أبيه أسلم الذي كان مع عمر. لكن المشكلة الكبرى أن هذه الرواية منقطعة. زيد بن أسلم لم يسمع كل شيء من أبيه، وهذه الرواية تحديدًا فيها انقطاع.

 

والأهم من ذلك، متن الرواية نفسها لا يذكر حرقًا ولا تهديدًا به لعلي وفاطمة! نص الرواية يقول إن عمر قال: "إن هؤلاء النفر الذين تخلفوا عنك في بيتك، والله ليخرجن إلى البيعة أو لأحرقن عليهم البيت". فالتوعد كان للمتخلفين عن البيعة الذين اجتمعوا في بيت علي، وليس لعلي وفاطمة رضي الله عنهما. والهدف هو تفريق هذا التجمع الذي قد يؤدي إلى شق صف المسلمين، وليس إيذاء أهل البيت، ثم إن بقية الرواية تذكر أنهم لما ذكروا لعمر أن فاطمة في البيت، انصرف عمر ولم يفعل شيئًا.

 

إذًا، أصح ما ورد في الباب (وهو ضعيف ومنقطع أصلًا) لا يثبت التهديد لعلي وفاطمة، بل يثبت انصراف عمر لما علم بوجود فاطمة. أما روايات الحرق الصريحة فهي أكاذيب لا أصل لها.

 

ثانيًا: نقد الرواية من حيث المتن (مضمون القصة) والعقل

 

لنفترض جدلًا أن الرواية صحت -وهي لم تصح- فهل يقبلها العقل وتتوافق مع شخصيات القصة؟

 

1. شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هل يُعقل أن الفاروق الذي نزل القرآن بموافقته، والذي كان أحرص الناس على تطبيق شرع الله، والذي كان يبكي خشية من الله، أن يُقْدِم على تهديد بنت نبيه ﷺ بالحرق؟ هذا طعن في عدالته ودينه. عمر هو القائل: "لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لسئل عنها عمر لِمَ لمْ يسوِّ لها الطريق". فهل من يخشى السؤال عن بغلة، يهدد بحرق سيدة نساء أهل الجنة؟!

 

2. مكانة فاطمة عند عمر: كان عمر يعرف قدر فاطمة وأهل البيت حق المعرفة. بل إنه تزوج من ابنة علي وفاطمة، وهي "أم كلثوم"، وهذا ثابت في كل كتب التاريخ والتراجم. فهل يُعقل أن يهدد بحرق جدة أبنائه وعميدة أهل البيت؟

 

3. شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل يُعقل أن أسد الله الغالب، فارس خيبر، الذي ينام في فراش النبي ﷺ فداءً له، أن يُهدَّد في بيته وفي عرضهِ (فاطمة) ويسكت ولا يحرك ساكنًا؟ هذا طعن في شجاعة علي ورجولته وغيرته، وحاشاه من ذلك. لو صحت القصة، لكانت وصمة في حق عليّ لا عمر، لأنه يعني أنه قَبِلَ الذل والهوان، وهذا لا يقوله مسلم يحب عليًا ويعرف قدره.

 

4. أين كان بنو هاشم؟ وأين كبار الصحابة؟ هل كانت المدينة خالية من الرجال حتى يُهدَّد بيت بنت نبيهم بالحرق ولا يغضب أحد لله ولرسوله؟! هذا تصور لا يمت للواقع بصلة.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

الفاروق عمر بن الخطاب

العشرة المبشرون بالجنة.. قصص عظماء نالوا الفردوس

5 مناقب في حياة عليّ بن أبي طالب

الرابط المختصر :