الفرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة الكفر

Consultation Image

الإستشارة 31/01/2026

يا جماعة الخير داير أستفسر: هل أي حديث نبوي وردت فيهو كلمة (كفر) بيعني طوالي إنو الزول المرتكب الفعل دا كفر ومرق من الملة والدين عديل؟ ونظرة علماء الدين شنو في المسألة دي.. هل كل معصية كبيرة بتخلي الزول يمرق من الإسلام، ولا كلمة (كفر) دي عندها معاني تانية ومقاصد تانية في لغة الحديث؟

الإجابة 31/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فليس كل لفظة كفر في القرآن الكريم والحديث الشريف تعني الكفر الذي يخرج من الملة، فقد روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما– أنه قال، قال رسول الله ﷺ: "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".

 

ويقول الله تعالى: ﴿.. كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا..﴾ [الحديد: 20]، والكفار هنا تعني الزراع في أحد المعاني، وبالتالي لا بد من التريث والرجوع إلى أهل العلم لنعرف هل لفظ الكفار يراد به المعنى اللغوي، أو المعنى الاصطلاحي العقدي.

 

يقول الفخر الرازي – رحمه الله- في مفاتح الغيب:

 

وقوله : (أعجب الكفار نباته) فيه قولان: (الأول): قال ابن مسعود: المراد من الكفار الزراع قال الأزهري: والعرب تقول للزارع: كافر، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، وإذا أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن. (الثاني): أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا، وقوله: {نباته} أي ما نبت من ذلك الغيث.

 

ويقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - في تفسير الظلال:

 

والكفار هنا هم الزراع؛ فالكافر في اللغة هو الزارع، يكفر أي يحجب الحبة ويغطيها في التراب، ولكن اختياره هنا فيه تورية وإلماع إلى إعجاب الكفار بالحياة الدنيا! (ثم يهيج فتراه مصفرًا) للحصاد، فهو موقوت الأجل، ينتهي عاجلاً، ويبلغ أجله قريبًا (ثم يكون حطامًا).. وينتهي شريط الحياة كلها بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشر المألوفة.. ينتهي بمشهد الحطام! أ.هـ.

 

أولاً: المعنى اللغوي لكلمة الكفر

 

كلمة "الكفر" في اللغة العربية تدور حول معنى أساسي واحد وهو: الستر والتغطية.

 

من هذا المعنى تتفرع استخدامات أخرى:

 

1- الزَّارع: يُسمى في اللغة "كافرًا"؛ لأنه "يكفُر" البذر، أي يغطيه بالتراب. وقد ورد هذا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (الحديد: 20). والمقصود بـ "الكفار" هنا هم الزُّرَّاع الذين يسترون البذور في الأرض، وليس الكفار بالله.

 

2- الليل: يُسمى "كافرًا"؛ لأنه يستر الأشياء بظلامه.

 

3- البحر العظيم: يُسمى "كافرًا"؛ لأنه يستر ويغطي ما بداخله.

 

4- جحود النعمة: يُقال "كفر النعمة" أي سترها وجحدها ولم يعترف بها. وهذا أيضًا من المعاني اللغوية المهمة التي ترتبط بالمعنى الشرعي.

 

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

 

أما في الاصطلاح الشرعي، فالمعنى أخص وأدق. الكفر هو ضد الإيمان، وهو مبني على المعنى اللغوي للجحود والستر.

 

والكافر في الشرع هو من ستر الحق وغطّاه بعد أن تبيّن له، أو جحده وأنكره.

 

أنواع الكفر

 

والكفر نوعان رئيسيان:

 

1. الكفر الأكبر (المُخرج من الملة)

 

وهو الذي ينقض أصل الإيمان، وصاحبه -والعياذ بالله- خالد مخلد في النار إذا مات عليه ولم يتب. وله صور متعددة، منها:

 

- كفر التكذيب والجحود: وهو أن يُكذّب بالرسول ﷺ أو بما جاء به من عند الله مع علمه بصدقه، كفرًا وعنادًا. قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 14).

 

- كفر الإباء والاستكبار: وهو أن يعرف صدق الرسول لكنه يرفض اتباعه تكبرًا وحسدًا، كحال إبليس الذي رفض السجود لآدم استكبارًا. قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34).

 

- كفر الشك والظن: وهو عدم الجزم والتصديق بما يجب الإيمان به، بل يشك فيه. قال تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف: 35-36).

 

- كفر الإعراض: وهو أن يُعرض عن دين الله بالكلية، لا يتعلمه ولا يعمل به، ويصرف سمعه وقلبه عن الحق. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3).

 

- كفر النفاق: وهو أن يُظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهذا أشد أنواع الكفر وصاحبه في الدرك الأسفل من النار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء: 145).

 

2. الكفر الأصغر (العملي، غير المُخرج من الملة)

 

وهو كل معصية أطلق عليها الشرع اسم "الكفر" ولكنها لا تصل إلى حد الكفر الأكبر. هو يُنقص الإيمان ويُضعفه، وصاحبه يستحق العقوبة، ولكنه لا يخرج من الإسلام ولا يُخلّد في النار. ويُسمى أيضًا "كُفر النعمة" أو "الكفر العملي".

 

وله أمثلته متعددة نذكر منها:

 

- قتال المسلم: قال النبي ﷺ: "سِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". (متفق عليه). أطلق عليه اسم الكفر للتغليظ والتحذير الشديد، لكن جمهور أهل العلم على أنه لا يخرج من الملة ما لم يستحلّه صاحبه.

 

- الحلف بغير الله: قال النبي ﷺ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (رواه الترمذي وحسنه). وهذا من الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر.

 

- كفران العشير (الزوج): قال النبي ﷺ للنساء: "... ورأيتكن أكثر أهل النار". فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكفرن". قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (متفق عليه). وهنا سمّى جحود نعمة الزوج كفرًا.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

هل يكفر من قال أنت فضولي لمن يأمره بالمعروف؟

هل الكفر وحده موجب للقتل والقتال؟

الرابط المختصر :