حكم استخدام أوراق (التاروت) والتفسير الرمزي للغيب

Consultation Image

الإستشارة 07/02/2026

كثُر في الآونة الأخيرة انتشار ما يُعرف بـ قراءة أوراق التاروت، وربطها بمعرفة المصير، واستنطاق الغيب، والتواصل مع الموتى، أو تفسير الحياة خلف ما يسمى بـ قانون الكارما، ويُقدَّم ذلك تحت غطاءات متعددة مثل: التحليل الرمزي، علم الطاقة، الحدس، أو قراءة النفس. ويُروَّج للتاروت أحيانًا على أنه ليس من الكهانة ولا السحر، بل «لغة رموز» أو «مرآة داخلية»، مع الإيحاء بإمكانية التنبؤ بالأحداث القادمة، أو توجيه القرارات المصيرية، أو كشف ما خفي من القدر.

وهنا يبرز الإشكال الشرعي الجوهري، والمتمثل في ادعاء الاطلاع على الغيب أو الإيهام بإمكانية التأثير في مسار القدر، وهو ما يصادم نصوص الوحي القطعية، إذ قرر الشرع أن علم الغيب مختص بالله وحده، وأن كل وسيلة توهم كشف المستقبل أو استجلابه تدخل في أبواب محرّمة، ولو لُبِّست بلباس نفسي أو فلسفيز

كما أن ربط بعض أوراق التاروت، كـما يسمى بـ “ورقة الموت”، بدلالات تتعلق بالنهاية، أو التحول القَدَري، أو الأحداث الحتمية، يُعد من التشويش العقدي؛ لما فيه من ترسيخ الخوف، وتعليق القلوب بغير الله، وإضعاف مبدأ التوكل والاختيار المسؤول. وإن قيل إن التاروت مجرد أداة إسقاط نفسي، فإن الإشكال يبقى قائمًا من جهتين: الجهة العقدية: لما فيه من مشابهة صريحة لأفعال الكهان والعرافين، واتخاذ وسائط رمزية يُطلب منها ما لا تملك. الجهة المعرفية: حيث تُنسب للأوراق قدرة تفسيرية تتجاوز الواقع، وتُضفى عليها سلطة توجيه القرار والقدر.

وعليه، فإن السؤال المطروح ليس عن شكل الورق، بل عن المضمون والمآل: هل يجوز شرعًا التعامل مع التاروت بأي صورة؟ وهل يختلف الحكم إذا زُعم أنه للتأمل فقط دون اعتقاد الغيب؟ وما أثر ذلك على العقيدة، خاصة لدى من يعاني من القلق، أو ضعف اليقين، أو البحث عن الطمأنينة؟

نرجو من الجهة المختصة بيان: الحكم الشرعي التفصيلي لقراءة التاروت وتعليمه والترويج له الفرق بين التدبر النفسي المشروع، وبين أدوات محرّمة في أصلها أو مآلاتها حكم الخوف من رموز مثل “ورقة الموت” وما يترتب عليه عقديًا خطورة استبدال الوحي واليقين بوسائل رمزية موهومة مسؤولية التوعية الشرعية تجاه انتشار هذا النوع من المحتوى وذلك بغرض حماية العقيدة، وضبط المفاهيم، وسد ذرائع الانحراف، بعيدًا عن التهوين أو التهويل.

الإجابة 07/02/2026

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فنشكر للسائل الكريم هذا السؤال المهم الذي يحمل في طياته الإجابة الشافية الكافية لهذه الخرافات التي تضرب عقيدة المسلم وإيمانه في مقتل.

 

وما يسمى بأوراق (التاروت) وهو لا يختلف عن أوراق الكوتشينة وغيرها من الحيل التي يكذب بها المحتالون على الناس، ويخرجونهم من الواقع والحقيقة إلى الوهم والظنون.

 

إن الترويج للتاروت تحت مسميات "التحليل الرمزي" أو "علم الطاقة" أو "الحدس" هو تلبيس وتغرير بالناس، وخداع لهم عن حقيقة الأمر. فالباطل يبقى باطلاً مهما حاولوا تزيينه وتجميله.

 

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34].

 

التاروت والكهانة: وجهان لعملة واحدة

 

لا شك أن التاروت، بكل ما يحاولون تجميله من أسماء ومصطلحات، هو في حقيقته ضرب من ضروب الكهانة والعرافة المحرمة في الإسلام. فالادعاء بمعرفة الغيب أو القدر، أو التأثير فيهما، هو طعن في صميم التوحيد، وتعدٍ على حق الله وحده.

 

يقول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65].

 

خطورة التلبيس والتغرير

 

وقد حذرنا النبي ﷺ من الذهاب إلى الكهان والعرافين وتصديقهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه).

 

التشويش العقدي والخوف من المجهول

 

إن ربط أوراق التاروت بدلالات تتعلق بالموت أو القدر أو الأحداث الحتمية، هو تشويش عقدي يرسخ الخوف في القلوب، ويعلقها بغير الله، ويضعف التوكل عليه. فالمسلم الحق يعلم أن الأمر كله بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

 

ونختم بمقولة الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – بعد تفسيره للآية السابقة من سورة لقمان:

 

إن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة، تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود، وعجزها الواضح، ويتساقط عنها غرور العلم والمعرفة المدعاة. وتعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلا؛ وأن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس. ولو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يدرون ماذا يكون غدًا! بل ماذا يكون اللحظة التالية. وعندئذ تطامن النفس البشرية من كبريائها وتخشع لله.

 

والسياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة.. رقعة فسيحة في الزمان والمكان، وفي الحاضر الواقع، والمستقبل المنظور، والغيب السحيق. وفي خواطر النفس، وثبات الخيال: ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الأرحام الخافي عن العيان. والكسب في الغد، وهو قريب في الزمان ومغيب في المجهول.. وموضع الموت والدفن، وهو مبعد في الظنون.

 

إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء. ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول؛ ونقف بها جميعا أمام كوة صغيرة مغلقة، لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد، ولانكشف القاصي منها والدان.. ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان، لأنها فوق مقدور الإنسان، ووراء علم الإنسان. تبقى خالصة لله لا يعلمها غيره، إلا بإذن منه وإلا بمقدار. (إن الله عليم خبير) وليس غيره بالعليم ولا بالخبير. أ. هـ.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

التعامل مع كتب الرموز والقوى الخفية لاستجلاب الرزق

الرموز البنفسجية.. لماذا يبحث العقل عن الغموض؟

الرابط المختصر :