الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
3 - رقم الاستشارة : 4581
15/04/2026
نلاحظ أن حرية الرأي في الغرب ليست كما يروج لها إلا إذا كانت تتطاول على المقدسات الدينية خاصة الإسلام.. فهل حرية الرأي مطلقة في الغرب أم أن هناك محظورات أبرزها إسرائيل؟
أخي الكريم، المتابع للكثير من الأخبار التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير في الغرب يلحظ وجود أزمة كبيرة تتعلق بتلك الميزة المهمة التي كان الغرب يتفاخر بها؛ فالسنوات الأخير شهدت تراجعًا في مساحة تلك الحرية، وتحديدًا للمقدسات التي يجب ألا تمسها تلك الحرية، ومساعي لإصدار قوانين وتشريعات تقييد حرية الرأي والتعبير.
إسرائيل البقرة المقدسة
لاحظ -أخي الكريم، ما يتعرض له بعض المتظاهرين المؤيدين للقضية الفلسطينية والرافضين للإبادة والمجازر التي تتعرض لها غزة، حيث يتم الاعتداء عليهم بالضرب واعتقالهم، ومنذ أيام اعتقلت الشرطة البريطانية شيخًا مسنًّا يمشي بصعوبة لأنه ارتدى الكوفية الفلسطينية.
كما لاحظنا خلال الأيام الماضية محاصرة الشرطة الفرنسية لطلاب معهد العلوم السياسية في باريس المحتجين على مشروع قانون يجرم انتقاد إسرائيل، والذي يعُرف باسم "يادان" الذي يهدف إلى تجريم انتقاد إسرائيل تحت غطاء مكافحة معاداة السامية، ويذهب بعض الكتاب الفرنسيين أن مشروع هذا القانون يهدف لإسكات حركة التضامن مع فلسطين في فرنسا، ويحمل هذا المشروع اسم "كارولين يادان" تلك النائبة في الجمعية الوطنية المؤيدة للمشروع.
ويعتبر مشروع القانون إدانة إسرائيل جريمة جنائية، ويمتد القانون ليشمل أشكالاً من التعبير عن الرأي، ولذا حذّر فقهاء في القانون في فرنسا أن تلك العقوبة الموجودة في القانون قد تطال تغطيات صحفية، وأنه يمثل تهديدًا صريحًا لحرية الرأي؛ لأنه يشمل المتظاهرين والصحفيين والباحثين؛ فالقانون يربط بين "معاداة السامية" و"انتقاد إسرائيل".
أخي الكريم، حرية التعبير ليست مطلقة كما يصورها البعض، ولكن توجد قيود عليها؛ فإسرائيل والصهيونية تعامل كبقرة مقدسة يصعب الاقتراب منها، ويتم تشريع قوانين للحيلولة دون انتقادها، وتجريم أي انتقاد، ولعل هذا ما يبرز مخاوف من تنامي "قمع الدولة" في المجتمع الغربي، وتقييد حرية التعبير بقمع قانوني وأمني وسياسي.
الغريب أن الداعمين لتقييد حرية الرأي إذا كان نقدًا لإسرائيل، يبررون ذلك بأن مثل هذه القوانين كقانون "يادان" يسد فراغًا لمواجهة الأشكال المتجددة في معاداة السامية.
يجادل الداعمون لتقييد حرية التعبير إذا تعلق الأمر بإسرائيل بالزعم أن معاداة الصهيونية تحولت إلى أيدلوجيا تنفي حق إسرائيل في الوجود، فمعاداة الصهيونية تحمل في طياتها نفي وجود إسرائيل كدولة وتاريخ وتدميرها بشكل كامل.
والحقيقة أن حرية التعبير ركن أساسي من أركان الديمقراطية، وبدون حرية التعبير فإن حرية النقاش العام تتقلص وتتراجع لصالح أشكال من التسلط حسب كل نظام سياسي وحسب كل مجتمع.
ليست مطلقة
حرية التعبير في الغرب ليست مطلقة، قد تكون مجالاتها أوسع من مناطق كثير في العالم، وقد تكون حدودها بعيدة نسبيًّا مقارنة بمجتمعات أخرى، لكنها ليست مطلقة، فهناك قيود على الكثير من خطابات الكراهية والمحرضة على العنف، لكن بعض الدول الغربية فرضت قيودًا على حرية التعبير فيما يتعلق بالمحرقة النازية أو "الهولوكوست"، والغريب أن هذا الأمر انتقل للمجال الدولي عندما تبنت الأمم المتحدة قرارات دولية تدين إنكار الهولوكوست عام 2022م ودعت الدول الأعضاء لمحاربة إنكاره عبر التعليم والتشريعات.
وفي بعض الدول الغربية تم تقييد حرية الرأي بشأن الهولوكوست من خلال التشريعات التي تجرم هذا الإنكار؛ فنجد مثلاً أن بعض الأشخاص في المجر تعرض للسجن (18) شهرًا عندما حمل لافتة تقول "المحرقة لم تحدث أبدًا" عام 2011م، رغم أنه سبقته بسنوات أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي ﷺ، والتي اعتبرها الغرب حرية في التعبير، رغم إساءتها غير الأخلاقية لمئات الملايين من المسلمين.
موضوعات ذات صلة:
ما هي المركزية الغربية وتأثيراتها العالمية؟
هل ناقض هابرماس فلسفته لتأكيد يهوديته؟