كيف ننمي ثقافة الصيانة في حياتنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 96
  • رقم الاستشارة : 4523
09/04/2026

كيف تنمي ثقافة الصيانة في حياتنا وبخاصة في علاقتنا الإنسانية؟ ولماذا حضرت ثقافة الإنشاء وغابت ثقافة الصيانة؟

الإجابة 09/04/2026

أخي الكريم، حياكم الله على السؤال الذي يطرح قضية غائبة عن وعي الكثير منا، وهي تراجع "ثقافة الصيانة" تلك الثقافة التي تحافظ على الأشياء والعلاقات، وترممها وتصلح ما فسد منها وتزيل ما يجب إزالته، وهو ما يمنح الأشياء والعلاقات صلاحية للاستمرار في الزمن وصلاحية أخرى تتمثل في أداء الدور والوظيفة بكفاءة.

 

ماهية ثقافة الصيانة؟

 

يظن البعض أن الآلات والمعدات فقط هي التي تحتاج إلى صيانة دورية؛ فالسيارة بعدما تقطع عدة آلاف من الكيلومترات، لا بد من تغيير بعض زيوتها وبعض الأجزاء منها، وإذا لم يتم ذلك، فإن هذا يعجل بأن تصاب السيارة بالأعطال المتكررة، ثم التوقف النهائي عن السير لتصبح قطعة حديد لا نفع فيه.

 

لكن الإنسان في جانبه الروحي والنفسي والبدني والعقلي، وكذلك في علاقاته الإنسانية يحتاج أن تكون ثقافة الصيانة حاضرة في وعيه وتفكيره، فلا يهمل في إصلاح ذاته باستمرار، ولا في تقوية جسده بالأغذية والرعاية.

 

ولعل الكثير من الأفراد والمجتمعات يقصر في تحويل الصيانة إلى ثقافة ضمن برنامجه الحياتي والمعيشي والإنساني، ويظن –مثلاً- أنه بإنشاء مبنى معين، أو تعبيد طريق معين فإن مهمته انتهت، وأن على المبنى أن يستمر بقوته وصلابته في مواجهته الأعطاب، ولا شك أن ذلك أمر غير جيد؛ لأن التقصير في الصيانة لا يعني إلا تعجيلاً بالفناء أو تعطيلاً للوظيفة والدور وإهدارًا للشيء نفسه.

 

تراثنا وثقافة الصيانة

 

في تراثنا الإسلامي الكثير من المتناثرات التي يمكن تجميعها، وتشييد ما يمكن أن نسميه "فقه الصيانة"، فعلى سبيل المثال، الاستغفار والتوبة، التي يجب على المسلم أن يمارسها بانتظام، هي في حقيقتها صيانة للإيمان والاعتقاد والسلوك من زيغ الانحرافات، وإصرار على تطهير النفس من أدرانها باستمرار حتى لا تتراكم وتحجب الروح عن رؤية حقيقة الإيمان.

 

وقد تحدث القرآن الكريم عن "الــــران" الذي يطمس القلوب والإيمان مع تراكم الأخطاء والمعاصي وإهمال التوبة والتطهر من الذنوب، وإذا تراكم هذا الران، فإن الوظيفة القلبية تتعطل ويتحول القلب إلى آلة إفساد وليس مستقرًا لحقائق اليقين والإيمان، يقول تعالى في سورة المطففين، الآية (14) ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والران في اللغة هو الصدأ أو الحجاب الكثيف، واللافت للنظر أن الكلمة لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن، وقررت حقيقة كبيرة وهي أن "الران" هو عملية كسبية يتحصل عليها الإنسان بفعله وإهماله الكبير وشبه الدائم لقلبه.

 

يقول الإمام الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب": "والرين كالصدأ يغشى القلب... فالإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب، وكل ما يشغلك بغير الله فهو ظلمة، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد"، وقال الحسن البصري: "هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب، وتغشاه فيموت القلب".

 

ونأخذ مثالاً آخر في ثقافة الصيانة، فعلى مستوى العلاقات الإنسانية التي تتطلب صيانة ورعاية وإصلاح ما يفسد منها، أو تدعيمها بما يحفظ عليها الاستقرار والاستمرار؛ مثلاً مسألة الإفساح في المجالس، كصورة إيمانية وحضارية تعبر عن ثقافة الرعاية والصيانة للصلات في المجتمع، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ (المجادلة: 11) يقول العلامة "الطاهر بن عاشور" في تفسيره "التحرير والتنوير": "يستفاد من الآية أن تفسح المسلمين بعضهم لبعض في المجالس محمود مأمور به وجوبًا أو ندبًا لأنه من المكارمة والإِرفاق. فهو من مكملات واجب التحاب بين المسلمين وإن كان فيه كلفة على صاحب البقعة يُضايقه فيها غيره. فهي كلفة غير معتبرة إذا قوبلت بمصلحة التحاب وفوائده".

 

موضوعات ذات صلة:

هل عرف تراثنا الاهتمام بالترفيه؟

هل للعلم دور في تحقيق التوازن الأخلاقي والفكري؟

كيف ناقش التراث الإسلامي الشك؟

الرابط المختصر :