كيفية الركون للكافرين وهل كاد أن يركن لهم النبي ﷺ؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 492
  • رقم الاستشارة : 3619
20/12/2025

يقول الله تعالى ﴿وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74] فكيف يكون الركون للكافرين والظالمين، وهل ركن أو كاد النبي أن يركن؟

الإجابة 20/12/2025

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فلم يركن النبي إلى الكافرين، والجواب في نفس الآية، و(لولا ) كما يقول أهل اللغة حرف امتناع لامتناع، فلولا تثبيت الله لنبيه لركن، لكن لأن التثبيت موجود وثابت للأنبياء والرسل عليهم السلام ولأولياء الله تعالى وخاصته فلن يركنوا إلى الكافرين والظالمين.

 

والركون له صور متعددة، منها الميل القلبي، ومنها المداهنة لهم على حساب الثبات، ومنها التشبه بأخلاقهم وصفاتهم، ومنهم الاستعانة بهم والثقة بما في أيديهم وتفضيلهم على المسلمين...

 

والآية لا تصف شيئًا فعله النبي ﷺ أو قارب أن يفعله، بل تصف حفظ الله وعصمته لنبيه ﷺ من أن يقارب ذلك الميل. إنها دليل عظيم على رعاية الله لنبيه، حيث عصمه وثبّته حتى لا يقترب قلبه من مجرد الميل البسيط لمطالبهم الباطلة. وهذا من أعظم مظاهر حفظ الله لرسالته ورسوله.

 

صور من الركون إلى الكافرين والظالمين

 

"الركون" في اللغة هو الميل اليسير والاعتماد. وفي سياق القرآن، يأخذ معاني متعددة تتدرج في الخطورة، منها:

 

1. الميل القلبي إليهم: وهو أن يستحسن الإنسان ما هم عليه من الباطل، أو يحبهم لدينهم وكفرهم. وهذا أخطر أنواع الركون، وهو ينافي أصل الإيمان.

 

2. المداهنة في الدين: أي التنازل عن شيء من ثوابت الدين إرضاءً لهم أو طمعًا في دنياهم. كأن يسكت المسلم عن حق وجب بيانه، أو يشارك في باطلهم مجاملةً لهم. وهذا ما كان المشركون يحاولون استدراج النبي ﷺ إليه، فقد طلبوا منه أن يترك سبّ آلهتهم، أو أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة، وغير ذلك من التنازلات.

 

3. الاعتماد عليهم والثقة بهم: أن يتخذهم المسلم أولياء من دون المؤمنين، يعتمد عليهم في النصرة والقوة، ويعتقد أن عزه ومنعته بهم. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113).

 

4. التشبه بهم: تقليدهم في عاداتهم وشعائرهم التي تخالف ديننا، مما يؤدي إلى طمس الهوية الإسلامية والذوبان في ثقافتهم.

 

محاولات إغراء أصحاب السلطان لأصحاب الدعوات

 

يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله - في ظلال القرآن:

 

هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائما. محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلا - عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة.

 

ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينًا، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق.

 

وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها.

 

فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لا يمكن أن يكون مؤمنًا بدعوته حق الإيمان. فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر. وليس فيها فاضل ومفضول. وليس فيها ضروري ونافلة. وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه. كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره!

 

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات. فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها! والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها؛ هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصرًا!

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

في ضوء الكتاب والسُّنة.. 5 أسباب للنصر والتمكين

الرابط المختصر :