جمعية الموظفين بين التحريم المطلق والإباحة المنضبطة

Consultation Image

الإستشارة 06/12/2025

ما الحكم الشرعي في موضوع الجمعية التي ينظمها الموظفون بحيث يدفع كل منهم مبلغًا ثابتًا متفقاً عليه، وكل شهر يأخذها واحد منهم حتى يأتي الدور على الجميع؟

الإجابة 06/12/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فجمعية الموظفين بالصورة المذكورة جائزة إذا غلب على ظن المشترك أنه سيفي بما عليه من الديون، ولن يأخذ أكثر ولا أقل مما دفعه، وهي من باب التعاون على البر والتقوى، وهي بديل عن الربا.

 

وقد منعها أحد الفقهاء المعاصرين تخريجًا لها على مذهب المالكية، وكيّفها على أساس أقرضك بشرط أن تقرضني، ورأى أن ذلك من أشد أنواع الربا، ورأيه محل نظر، فحتى لو لم تكن جائزة على مذهب المالكية فهي جائزة عند جمهور الفقهاء المعاصرين، وكان عليه أن يحكي الخلاف ثم يرجح ما يراه راجحًا.

 

وهناك صور أخرى هي من الربا الواضح، حيث يأخذ أصحاب السهم الأول أقل مما يأخذه أصحاب السهم الأخير، فهذه محرمة بغير خلاف، أما الصورة المشهورة التي ذكرت في السؤال فالراجح جوازها.

 

قال القليوبي -رحمه الله - في حاشيته: "الجَمعة المشهورة بين النساء بأن تأخذ امرأة من واحدة من جماعة منهن قدرًا معينًا في كل جمعة أو شهر، وتدفعه لواحدة بعد واحدة إلى آخرهن جائزة، كما قاله الولي العراقي" انتهى.

 

وجمعية الموظفين بالصورة التي وصفت في السؤال، حيث يدفع كل مشترك مبلغًا شهريًّا، ويقبض المبلغ الإجمالي أحد الأعضاء كل شهر بالترتيب، هي في حقيقتها قرضٌ حسَنٌ متبادل فعندما تدفع قسطك الشهري، فأنت تُقرض إخوانك المشاركين هذا المبلغ وعندما يأتي دورك وتقبض المبلغ المجمّع، فأنت تسترد قروضك التي أقرضتها لهم في الشهور السابقة، وتقترض منهم ما تبقى من أقساطهم للشهور القادمة ثم في الشهور التالية لدورك، تستمر في دفع الأقساط لتسديد الدين الذي اقترضته منهم. إذًا، المعاملة كلها تدور حول الإقراض والاقتراض الحسن، دون أي زيادة أو فائدة مشروطة.

 

الحكم الشرعي

 

بناءً على هذا التوصيف، فإن هذه الجمعية جائزة شرعًا ولا حرج فيها، بل هي من صور التعاون على البر والتقوى التي حث عليها الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).

 

مقاصد شرعية عظيمة

 

وهي تحقق مقاصد شرعية عظيمة منها:

 

1. قضاء الحوائج: تساعد المسلم على جمع مبلغ من المال قد لا يستطيع توفيره بمفرده، ليقضي به حاجة ملحة كزواج، أو علاج، أو سداد دين، أو شراء سلعة ضرورية.

 

2. التعاون والتكافل الاجتماعي: تقوي أواصر الأخوة والمحبة بين المشاركين، حيث يشعر كل فرد منهم أنه يعين أخاه ويعينه أخوه.

 

3. البديل الشرعي عن القروض الربوية: هي مخرج شرعي يغني المسلمين عن اللجوء إلى البنوك الربوية التي تفرض فوائد محرمة على القروض.

 

الأدلة وشروط الجواز

 

والأصل في المعاملات المالية هو الإباحة، ما لم يرد نص صريح بالتحريم. وهذه الجمعية لا يوجد فيها ما يحرمها، فهي خالية من الربا والغرر (الجهالة) والظلم.

 

شروط يجب مراعاتها

 

وقد أجازها عامة العلماء المعاصرين والهيئات الفقهية المعتبرة، كاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، ودار الإفتاء المصرية، وغيرها الكثير. ولكن، لكي تبقى هذه المعاملة في دائرة الحلال، يجب مراعاة بعض الشروط:

 

1. الرضا التام من جميع المشاركين: أن يدخل الجميع هذه الجمعية باختيارهم ورضاهم التام على شروطها.

 

2. عدم وجود أي فائدة مشروطة: لا يجوز أن يشترط من يأخذ المال أولاً أن يدفع مبلغًا إضافيًّا، أو أن يقدم هدية لمن بعده، أو أن يكون له أي ميزة مادية مشروطة مقابل أخذه المال مبكرًا. فإن حصل ذلك، دخلنا في شبهة "كل قرض جر نفعًا فهو ربا".

 

3. الجدية والالتزام: يجب على جميع المشاركين الالتزام التام بدفع الأقساط في وقتها المحدد؛ لأن تأخر أحدهم فيه إضرار بمن ينتظر دوره، وقد قال النبي ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).

 

4. توثيق الاتفاق: من باب الحكمة وحفظ الحقوق، يُستحب كتابة أسماء المشاركين والمبالغ ومواعيد الدفع والقبض، خاصة إذا كانت المبالغ كبيرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: 282). هذا يمنع النزاع والخلاف في المستقبل.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

التكافل الاجتماعي.. السر الخفي لبقاء الأجيال

 

الرابط المختصر :