المنهج الدعوي في معالجة الأراجيف المجتمعية

Consultation Image

الإستشارة 05/05/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية واعظ في أحد المساجد، وأشهد في عملي اليومي انتشارًا واسعًا للشائعات والأراجيف بين أبناء المجتمع، خاصة في أوقات الأزمات. كثير من الناس يأتون إليّ ليسألوا عن أخبار سمعوها وهم في حيرة وقلق، وبعضهم ينقلون هذه الشائعات دون تثبت، مما يسبب بلبلة واضطرابًا في المجتمع.

أشعر أنني بحاجة إلى خطة دعوية متكاملة لمواجهة هذه الظاهرة على مستوى المسجد والمجتمع، بحيث لا أقتصر على الرد على الشائعات عند حدوثها، بل أعمل على تحصين الناس من البداية. كيف يمكن وضع منهج دعوي عملي لمواجهة الأراجيف؟ وما هي الأنشطة والبرامج التي يمكن تنفيذها في المسجد لرفع الوعي المجتمعي بخطورة الشائعات؟

الإجابة 05/05/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أيها الداعية الفاضل، حياك الله وجعل عملك في سبيله خالصًا لوجهه.

 

إن ما تقوم به من حرص على مواجهة الأراجيف من خلال المسجد هو عمل عظيم؛ فالمسجد هو مركز الشعاع الذي ينير المجتمع ويحصنه من الفتن والأزمات. والمنهج الإسلامي في حصار الأراجيف يتميز بالتنوع والواقعية، ما بين وقاية وعلاج ومواجهة وحصار للشائعات. وأود أن أقدم لك خطة دعوية متكاملة تتكون من عدة محاور:

 

المحور الأول: الوقاية والتوعية (برامج مستمرة):

 

أولاً: تخصيص خطبة الجمعة الدورية:

 

خصص خطبة كل شهر أو كل شهرين لموضوع الشائعات وخطورتها وآثارها على الفرد والمجتمع. يمكن أن تتناول الخطب عدة جوانب: حرمة الكذب والافتراء، وجوب التثبت في الأخبار، عقوبة مروجي الشائعات في الدنيا والآخرة، الآثار السلبية للشائعات على الأمن الاجتماعي. وليكن الهدف من هذه الخطب هو تثبيت القيم الإسلامية في نفوس المصلين وجعلها من المسلمات التي لا تحتاج إلى تفكير عند التعامل مع الأخبار.

 

ثانيًا: الدروس والمحاضرات العلمية:

 

أعد سلسلة من الدروس العلمية حول "فقه التعامل مع الأزمات" أو "منهج الإسلام في مواجهة الفتن"، تكون مكثفة ومتخصصة، توجه للنخبة من المصلين والمهتمين. هذه الدروس يمكن أن تكون أسبوعية أو شهرية حسب الإمكانات، وتهدف إلى بناء قاعدة علمية راسخة لدى المشاركين.

 

ثالثًا: استضافة المتخصصين:

 

لا تكتف بجهدك الشخصي، بل استضف في المسجد متخصصين من مختلف المجالات – كعلماء الشريعة، وعلماء النفس، والإعلاميين – ليتحدثوا عن خطورة الشائعات وآثارها من زوايا متعددة. هذا التنوع يجذب شرائح مختلفة من المجتمع ويزيد من فاعلية التوعية.

 

المحور الثاني: بناء القدرات (تدريب عملي):

 

أولاً: دورات تدريبية للشباب:

 

أعد دورات تدريبية للشباب في المسجد حول مهارات التحقق من الأخبار والتثبت من المصادر. يمكن أن تتضمن هذه الدورات تعريفًا بالوسائل التقنية المتاحة للتحقق من صحة الصور والفيديوهات، وكيفية البحث عن المصادر الأصلية للأخبار. تدريب الشباب على هذه المهارات يجعلهم سفراء للوعي في أوساطهم.

 

ثانيًا: تأهيل خطباء المآتم:

 

من المعروف أن المآتم والمناسبات الاجتماعية من أكثر الأماكن انتشارًا للشائعات. قم بتأهيل الخطباء الذين يشاركون في هذه المناسبات ليكونوا رقباء على ما يُقال، وأن يكونوا هم أنفسهم قدوة في التثبت قبل الحديث، وأن يوجهوا الناس إلى عدم الانسياق وراء الأراجيف.

 

ثالثًا: ورش عمل للنساء:

 

لا تنس النساء في برامجك التوعوية، فهن غالبًا ما يكن نواة الأسرة وأكثر تأثرًا بما يقال في المجالس النسائية. تعاون مع الداعيات في المسجد لتنظيم ورش عمل نسائية حول خطورة الشائعات وكيفية مواجهتها، وتدريبهن على مهارات التثبت والتعامل الصحيح مع الأخبار.

 

المحور الثالث: مواجهة الأزمات (استجابة سريعة):

 

أولاً: بيان عاجل عند انتشار الشائعة:

 

إذا انتشرت شائعة خطيرة في المجتمع، لا تنتظر حتى موعد الخطبة أو الدرس، بل أصدِر بيانًا عاجلاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو قم بإلقاء كلمة سريعة في المسجد بعد الصلاة لتوضيح الحقيقة وطمأنة الناس. ومن طرق مواجهة الأراجيف "سرعة الرد الرسمي عليها بحيث يكون أمام الجماهير الرد القاطع لكل شبهة وشائعة".

 

ثانيًا: تشكيل فريق للرد على الشبهات:

 

كوّن فريقًا من طلاب العلم والمتخصصين في المسجد مهمته متابعة الشائعات المنتشرة والرد عليها بأسلوب علمي هادئ. يمكن لهذا الفريق أن يصدر بيانات دورية تفنيد الشائعات، وينشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويكون مرجعًا للمصلين عند حاجتهم للتثبت.

 

ثالثًا: التنسيق مع المؤسسات الرسمية:

 

تواصل مع المؤسسات الدينية والرسمية في بلدك -كدار الإفتاء، والأزهر الشريف، ومراكز المعلومات– لتكون على اطلاع بما تصدره من بيانات وتوضيحات حول الشائعات، وانقل هذه المعلومات الموثوقة للناس في المسجد.

 

المحور الرابع: التحصين الإعلامي (وسائل حديثة):

 

أولاً: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي:

 

للمسجد اليوم حضور على منصات التواصل الاجتماعي، استغل هذه المنصات لنشر الوعي بخطورة الشائعات، وانشر المحتوى الموثوق الذي يتضمن أدلة شرعية وأبحاثًا علمية حول الموضوع. ويمكن توظيف الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في مواجهة الأراجيف، وليس فقط في نشرها.

 

ثانيًا: إصدارات مطبوعة وإلكترونية:

 

أعد مطويات ومنشورات قصيرة وبسيطة تتناول موضوع الشائعات وكيفية مواجهتها، ووزعها على المصلين بعد الصلوات، أو أرسلها عبر مجموعات الواتس آب الخاصة بالمسجد. هذه المواد يجب أن تكون سهلة الفهم ومباشرة، حتى تصل إلى أكبر عدد من الناس.

 

ثالثًا: منصات الأسئلة الشرعية:

 

أطلق منصة للإجابة عن الأسئلة الشرعية (عبر الواتس آب أو فيسبوك) تكون موثوقة وموجهة من قبل الدعاة المتخصصين، بحيث يكون للناس مرجع سريع يرجعون إليه عندما يشكون في خبر أو شائعة تتعلق بالدين.

 

المحور الخامس: بناء العلاقات المجتمعية:

 

أولاً: المجالس الحوارية:

 

أنشئ مجالس حوارية أسبوعية في المسجد لمناقشة قضايا المجتمع، وخصص جزءًا من هذه المجالس لمناقشة الشائعات المنتشرة وتحليل أسبابها وسبل مواجهتها. هذه المجالس تعزز روح الأخوة بين أبناء المجتمع وتجعلهم أكثر تماسكًا في وجه الأراجيف.

 

ثانيًا: زيارة المؤسسات المحلية:

 

قم بزيارة المدارس والجامعات والأندية في المنطقة، وقدم محاضرات توعوية عن خطورة الشائعات. انتشارك في هذه المؤسسات يوسع دائرة التأثير ويصل إلى شرائح لا تصلها برامج المسجد.

 

ثالثًا: مبادرة فتبينوا:

 

مرصد الأزهر أطلق حملة بعنوان "فتبينوا" للتوعية بخطورة الشائعات، يمكنك تبني هذه المبادرة على مستوى المسجد، وتوزيع لافتات تحمل شعار "فتبينوا" في مدخل المسجد وعلى منصات التواصل الخاصة به.

 

وأنصحك ختامًا:

 

تذكر أن نجاح هذه الخطة يعتمد على الاستمرارية وليس على الفعاليات الموسمية. اجعل التوعية بخطورة الشائعات جزءًا من المنهج الدعوي الثابت في المسجد، وليس مجرد ردود فعل على الأزمات. تعاون مع المساجد الأخرى في منطقتك لتبادل الخبرات وتوحيد الجهود. واجعل الدعاء والتضرع إلى الله أساس كل عمل، فإن القلوب بيد الله، وهو الذي يثبت الناس عند الفتن.

 

وأسأل الله أن يبارك في جهودك، وأن يجعل هذا المسجد منارة للهداية في مواجهة الأراجيف والشائعات، وأن يحفظ بلادنا وأمتنا من كل سوء ومكروه.

 

روابط ذات صلة:

كيف يواجه الداعية الشائعات الإلكترونية في المهجر؟

كيف يحصن الداعية المجتمع ضد الأراجيف الاقتصادية وزعزعة الثقة بالدولة؟

كيف يحمي الداعية الشباب من أراجيف التيارات الهدامة؟

درع الوعي.. استراتيجيات الداعية في تفكيك الأراجيف وحماية السلم النفسـي للمجتمع

الرابط المختصر :