ما معيار الإلحاد لمفهومي الخير والشر؟

كيف نظر الإلحاد إلى الخير والشر ما هما ومن الذي يحددهما وهل الخير والشر نسبي في الإلحاد؟

أخي الكريم، في الرؤية الإيمانية معيار الخير والشر يأتي من خارج الإنسان؛ فالخالق سبحانه وتعالى، هو الذي يحدد للبشر ما هو الخير وما هو الشر؛ لذا يأتي المعيار مجردًا بعيدًا عن مصالح البشر، ولذا رأينا بعض المذاهب الكلامية الإسلامية، تؤكد أن الأفعال ليست خيرة أو شريرة بذاتها، بل إن "الخير ما حسّنه الشرع، والشر ما قبّحه الشرع"، وهناك من رأى أن العقل قادر على إدراك الحسن والقبيح، ثم يأتي الشرع ليؤكد ما أدركه العقل.

 

المعيار يجب أن يتسم بعدة خصائص، منها: الشمول والعمومية، أي يغيب عنه التمييز والانتقاء، وأن يتسم بالثبات والاستقرار، وأن يكون موضوعيًّا مستقلاً عن الأهواء والرغبات والمصالح الشخصية، وأن يتسم المعيار الأخلاقي بالسمو والارتقاء.

 

ولكن ماذا عن الإلحاد، الذي ينكر وجود الخالق سبحانه وتعالى، ومن ثم تغيب عنه المعيارية الخارجية بخصوص الخير والشر؟

 

الأخلاق بعيدًا عن السماء

 

أخي الكريم، غياب المعيارية السماوية للخير والشر في الرؤية الإلحادية، نقل المعيارية إلى الأرض بما فيها من نسبية، وتمييز وغياب للاستقرار.

 

لكن الأخطر أنه جعل ضوابط السلوك خارجية وفق نصوص قانونية، لا يُستدعى فيها الضمير أو الرقابة الذاتية، ولعل الأديب الروسي الشهير "دوستويفسكي" صاغ ذلك المعنى بعبارة قوية فقال: "إذا كان الله غير موجود، فكل شيء مباح"، ومعنى هذا أن غياب المعيارية السماوية للخير والشر يهدم المنظومة القيمية الأخلاقية من أساسها.

 

ولكن يجب ملاحظة أن غياب المعيارية السماوية لا يعني انتهاء الجانب الأخلاقي بالكامل، وإنما يعني نقل مصدرية الأخلاق ومعيارية الخير والشر من السماء إلى الأرض، واعتبار أن الإنسان هو المعيار والمحدد للخير والشر، وهذا يؤدي إلى:

 

* النسبية الأخلاقــية: وهنا تصبح معيارية الخير والشر منتجًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، وهو ما ينفي عنها صفة الاستمرارية عبر الزمان والمكان، وأن الخير والشر يتغيران وليسا شيئًا ثابتًا يمكن من خلالهما تقييم سلوك الإنسان ومدى أخلاقيته.

 

* المعيارية العلمانية المادية: حيث يزعم اتجاه إلحادي أنه يمكن وضع موضوعية أو معيارية للخطيئة والفضيلة بمقدار ما تحققه من نفع وفائدة أو ضرر وألم للآخرين.

 

يدعي الملحدون أن الأخلاق سبقت الأديان في حياة الإنسان؛ فالإنسان البدائي الأول كان يتعاون ويتشارك ويتعاون مع غيره، بدافع غريزة البقاء، وليس بدافع أخلاقي ناتج من الدين، أو كما يقول "تشارلز داروين": "إن التمييز بين الخير والشر ليس هبة إلهية، بل هو نتاج غريزة اجتماعية تطورت لدى البشر لمساعدتهم على البقاء كجماعة"... لكن هذا التبرير الذي يدعيه الملحدون ليس له أي دليل مادي أو ثقافي يثبته، ولكن الأديان تتبنى رواية مغايرة، فالإنسان الأول "آدم" عليه السلام أبو البشر، منذ أن خلقه الله تعالى، فإن الله حدد له الخير والشر، والأوامر والنواهي.

 

ويدعي الملحدون أيضًا أن المنفعة والضرر هما محددان للخير والشر، وهذه الرؤية تبنتها "الفلسفة النفعية" التي رأت أن الخير هو ما يحقق أكبر قدر من السعادة والمنفعة لأكبر عدد من الناس، والشر هو ما يولد التعاسة والألم، ولا شك أن هذا المعيار من الممكن نقده بسهولة، فإباحة الزنا في المجتمع، سيؤدي إلى تحقيق اللذة للكثير، لكن آثاره ستقود المجتمع بالكامل.

 

فقدان معيارية الخير والشر

 

أخي الكريم، إن تفويض الإلحاد للإنسان ليضع ويصوغ مفهومي الخير والشر، أوجد معاناة كبرى للمجتمعات؛ ففي المجتمعات اللاتينية والتي تتمتع بوفرة اقتصادية ورفاهة شاملة، ترتفع فيها معدلات الجريمة وبخاصة الاغتصاب، رغم سهولة ارتكاب الزنا، فغياب الإيمان يلغي سلطة الضمير ورقابته على الإنسان ويغريه بارتكاب الجريمة مع غفلة القانون وتعطل كاميرات المراقبة.

 

وختامًا أخي الكريم، الرؤية الإلحادية للخير والشر تنزع القداسة الغيبية عن الأخلاق لتعيدها إلى سياقها الطبيعي والاجتماعي، بل إن الإلحاد يعتبر الخوف من الحساب الإلهي عن الخير والشر نوعًا من النفاق، كما يقول الملحد "ريتشارد دوكينز" "إذا كنت لا تستطيع أن تكون صالحًا إلا لأنك تخاف من عقاب الله أو تطمع في ثوابه، فإنك لست شخصًا صالحًا حقًّا، بل أنت مجرد منافق يبحث عن مصلحته"، ولا شك أن تلك أوهام إلحادية لا تجد صداها إلا في النفوس الخاوية من الإيمان والخير.

 

موضوعات ذات صلة:

ما مفهوم الجزاء في عالم بلا إله؟

كيف نظر الإلحاد إلى حقيقة الموت؟

هل يتشابه الإلحاد مع الجاهلية في تقديس المادة؟

ما هي المركزية الغربية وتأثيراتها العالمية؟

هل فعل الخير يحسن صحتنا النفسية؟