<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أنا أم شابة، الله رزقني قبل ثلاث سنين بأول طفل لي، بس فرحتي ما تمت لما اكتشفت إنه يعاني من إعاقة عقلية وجسدية مركبة وشديدة. ومن ذاك الوقت، انقلبت حياتي كلها، وصرت غرقانة بتفاصيل رعاية صعبة وعلى مدار الساعة، ما بين المستشفيات وجلسات العلاج، وحدي دائما معه بسبب انشغال زوجي في أعماله ولتوفير مصاريف العلاج، وعدم استطاعته كرجل مشاركتي في رعايته المباشرة.</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">يشهد الله إني أحب ولدي حب كبير وأفديه بروحي، بس قاعدة أعيش صراع نفسي يذبح القلب؛ كل ما أطالعه أو أقارنه باللي في سنه، قلبي يتقطع حزن وحسرة على مستقبله واللي بيروح عليه من الدنيا. والعبء يزيد عليّ أكثر لما أختلط بالناس؛ فنظرات الشفقة والفضول بعيونهم، والنغزات القاسية من بعض الأقارب، صارت تلاحقني، وهالشي خلاني شوي شوي أعتزل المناسبات وأقفل على نفسي ببيتي هربًا من كلامهم</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">والمشكلة الأكبر هي الوسواس اللي ما يفارق صدري، إن هالابتلاء يمكن يكون عقوبة من الله بسبب ذنب سويته بالماضي أو تقصير مني، فصرت أحس إيماني يهتز، وما عدت ألقى اللذة اللي كنت أحس فيها بعبادتي قبل؛ والتعب الجسدي والإنهاك النفسي أثّروا وايد على صلاتي ودعائي. وخايفة يكون حزني وبكاي المستمر عدم رضا بقضاء الله وقدره</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">شلون أتعامل مع هالكم من المشاعر؟ وشلون أحمي إيماني من هالوجع والوساوس والصراعات النفسية؟ وشلون أوصل للرضا والاطمئنان بقضاء الله، وتصير عندي القوة النفسية عشان أتقبّل كلام الناس ونظراتهم وأخرج من عزلتي؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">سامحوني على الإطالة، وجزاكم الله كل خير</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family: "Simplified Arabic",serif;mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language: EN-US;mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span></p>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك ابنتي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا
وتواصلك معنا، ومشاركتنا هذا الهمِّ الثقيل الذي تحملينه، وأسأل الله أن يربط على
قلبك، وأن يفرغ عليك الصبر والسكينة، وأن يجعل طفلك هذا بابًا واسعًا ومباشرًا لك
ولزوجك إلى جنات النعيم، وأن يعينك على ما أقامك فيه، ويكتب لك الأجر كاملًا غير
منقوص، وبعد...
وسواس
«العقوبة» ومفهوم الابتلاء
من
أخبث مداخل الشيطان على النفس المؤمنة في أوقات الشدة، أن يأتيكِ فيوهمك بأن ما أنت
فيه إنما هو انتقام إلهي أو عقوبة على ذنب سابق. وهذا الوسواس مقصوده الأول إضعاف
حسن ظنك بالله وتزهيدك في الدعاء.
إن
الابتلاء في المفهوم الإسلامي ليس علامة أبدًا على غضب الله؛ بل هو من أظهر علامات
محبته واصطفائه لرفع الدرجات. قال النبي ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ
الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ
فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» [رواه الترمذي]. بل إن أشد
الناس بلاءً هم أحب الناس إلى الله؛ قال رسول الله ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً
الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» [رواه الترمذي]. فهل كان ابتلاء
الأنبياء عقوبة لهم، أو بسبب ذنب اقترفوه؟! حاشا لله؛ بل كان رفعة وتمحيصًا.
فابتلاء
المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأمراض التي لو بقيت فيه لأهلكته، أو أنقصت ثوابه،
وأنزلته عن درجاته.
لا
حرج في الحزن والبكاء دون تسخط
أما
عن حزنك وبكائك المستمر، فاعلمي أنهما من طبيعة البشر، ولا ينافيان الرضا بالقضاء
أبدًا، ما داما يحدثان منك عفويًّا، ولا يصاحبهما تسخط على قدر الله، بالقلب أو
باللسان.
لما
مات إبراهيم ابن النبي ﷺ، بكت عينه الشريفة، وقال: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ،
وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا
بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» [رواه البخاري]. فالرضا محلُّه القلب
بالاستسلام لأمر الله، وعدم السخط باللسان أو الاعتراض على حكم الله.
انظري
لطفلك ومستقبله بعين الآخرة
تأتي
الحسرة والحزن والبكاء من المقارنة بين طفلك وأقرانه في الدنيا، لكن ماذا لو نظرت
إلى واقعه ومستقبله بعين الآخرة؟
إن
طفلك الصغير معصوم، لا يجري عليه القلم، ولن يحاسَب على ذنب، وهو معافى في آخرته
يقينًا. فهو بالنسبة لك ولوالده شفيع مُجَاب عند الله يوم القيامة، سيأخذ بأيديكما
إلى الجنة بإذن الله.
إن
المعاناة اليوم وقتية ومحصورة في سنوات الدنيا القليلة، أما الأجر الذي يناله
الصابرون فلا حدود له، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
وما
يضيع عليك وعلى ولدك من متع الدنيا الزائلة، سيعوضكما الله إياه بنعيم لا يزول ولا
ينفد. فاستبدلي بفكرة: «ماذا خسِر طفلي؟» فكرة: «ماذا أعدَّ الله له ولي معه؟».
مواجهة
المجتمع والخروج من العزلة
إن
العزلة التي فرضتِها على نفسك تحصرك في دائرة الأفكار السلبية، وتجعلك فريسة سهلة
للوساوس. وإن نظرات الشفقة أو الفضول من الناس تتغذى على ضعفك وشعورك بالانكسار.
يجب
أن تخرجي من هذه العزلة، ولن تستطيعي ذلك إلا بتغيير الذهنية التي تتعاملين بها
والأفكار التي تتحكم فيك. ارفعي رأسك؛ فأنت لا تحملين ذنبًا ولا عارًا، بل تحملين
أمانة ثقيلة اختارك الله لها من بين آلاف النساء. وطفلك هذا هو بابك إلى الجنة،
وليس سببًا للخجل.
وعندما
تلاحقك الأسئلة الفضولية أو الكلمات القاسية، لا تدخلي في سجالات؛ بل اكتفي
بابتسامة واثقة وعبارة محددة: «الحمد لله، هذا عطاء الله، ونحن في نعمة وبركة
كبيرة»، ثم غيِّري مجرى الحديث. هذه القوة الهادئة تجبر الآخرين على احترام
مساحتك.
ابدئي
بالخروج للمناسبات والأماكن التي تضم أشخاصًا داعمين ومريحين نفسيًّا، وتدرجي في
العودة للحياة الاجتماعية. وإذا شعرتِ بضغط، انسحبي بلطف دون إحساس بالذنب.
خطة
عملية لترميم الروح وتجاوز الإنهاك
كي
تستعيدي طاقتك وإيمانك ولذة عبادتك، أنصحك بالخطوات التالية:
1-
تصحيح مفهوم العبادة: العبادة ليست فقط في الصلاة والصيام
والذِّكْر (على أهميتها ووجوبها) بل إنك في عبادة مستمرة على مدار الساعة! فتمريضك
لولدك، وتنظيفه، وإطعامه، ونومك المتقطع لأجله، كل هذه أعمال صالحات تُكتب في
صحيفتك. فاحتسبي كل حركة تقومين بها كأنك في رباط في سبيل الله.
2-
أداء النوافل على قدر الوسع: قال تعالى: ﴿لَا يُكلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فإذا كنتِ مرهقة جسديًّا، فلا تكلفي
نفسك بالنوافل الكثيرة أو التي تشق عليك. اكتفي بالفرائض في وقتها، حتى تجدي لديك
الطاقة للنوافل، واستعيضي عنها حتى تمتلكي الوسع لها بأيسر العبادات وأعظمها
أجرًا، وهي الذِّكر المطلق (الاستغفار، الحمد، التسبيح، والصلاة على النبي ﷺ...)
مع أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال، وسماع القرآن أثناء عملك في البيت
ورعايتك لطفلك. وأنصحك بألا يفتر لسانك عن دعاء: «اللهم إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ
والحزَنِ، وأعوذُ بكَ منَ العجزِ والكسلِ».
3-
اطلبي الدعم والمشاركة من زوجك: انشغال الزوج لتوفير النفقة
مقدَّر بالطبع؛ لكن رعاية هذا الطفل مسؤولية مشتركة. تحدثي مع زوجك بهدوء ومحبة،
واطلبي منه اقتطاع وقت محدد -ولو ساعتين في الأسبوع- ليتحمل فيه الرعاية الكاملة
لولدكما، لتستريحي أنتِ في هذا الوقت، أو تقضي حاجة لك، أو حتى تخرجي لنزهة قصيرة
أو زيارة لقريبة أو صديقة تخفف عنك بعض الهم.
4-
التحقي بمجموعات الدعم الاجتماعي: ابحثي على مواقع التواصل
الاجتماعي، أو في منطقتك عن مجموعات لأمهات الأطفال ذوي الإعاقة أو الاحتياجات
الخاصة، فالتواصل مع أمهات يخضن التجربة نفسها يمنحك شعورًا بالأنس، وتستفيدين من
تجاربهن العملية والنفسية، وتكتشفين أنك لستِ وحدك في هذه المعركة.
5-
طلب الاستشارة النفسية: لا بأس من الاستعانة بطبيب نفسي لمساعدتك
في تفريغ الضغط، وتزويدك بمهارات التعامل مع التوتر والإنهاك النفسي، فهو أخذ
مشروع بالأسباب، ولا ينافي التوكل على الله.
وختامًا
يا ابنتي، تذكري دائمًا أن الله تعالى قال: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكرَهُوا شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَّكمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكمْ ۗ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فألطاف الله خفية،
وما يدريك لعل هذا الطفل يدرأ عن بيتكم من الشرور والفتن ما لا تعلمونه، ولعله
يكون السبب الأول في سعة أرزاقكم في الدنيا، وفي دخولكم الجنة بغير حساب يوم
القيامة، بإذن الله تعالى.
وفقك
الله ورعاك وأعانك، وربط على قلبك، وطرد عنك الهم والحزن، وصلِّ اللهم وسلِّم
وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
والدة معاق ذهنيًّا تسأل: «لماذا ولدي؟».. هل ضاع إيمانها؟
فقر ومرض وأولاد معاقون.. غضَب أَم سِحر أَم ابتلاء؟