هل تكفي المواعظ لصناعة النهضة أم أننا بحاجة للفقه العميق؟

<p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته</span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><o:p></o:p></span></p><p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">هل يكفي انتشار النصوص الدينية وكثرة المواعظ لنهضة المجتمع، أم أن الفقه العميق –بمعناه الذي يجمع بين الفهم والاستنباط وتنزيل الأحكام على الواقع– هو الذي يصنع الفرق بين التدين الشكلي والتدين الواعي المنتج؟</span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على هذا السؤال العميق، الذي ينم عن فكر ناضج يهتم بالجوهر والأثر، لا بالمظهر فقط. وأسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يستعملك لخدمة دينه، وأن يجعلنا وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

بين ضجيج المواعظ وصمت الأثر

 

إن التساؤل الذي طرحته يضع اليد على الجرح الغائر في واقعنا المعاصر؛ فنحن نعيش في عصر انفجار المعلومات، حيث تملأ النصوص الدينية الشاشات والآفاق، ومع ذلك نجد فجوة بين كثافة النص وجودة الواقع.

 

إن الفرق بين مجرد انتشار المواعظ وبين النهضة الحقيقية هو الفرق بين رصِّ اللبنات في العراء، وبين بناء صرح متماسك يحمي من بداخله؛ فالعبرة ليست بكثرة الحجارة، بل بهندسة البناء.

 

بين كفاية النصوص وكفاية الفهم والعمل

 

لا شك في أن النصوص الدينية هي المصدر والمنطلق، لكنها تظل نصوصًا صامتة حتى ينطق بها الفهم ثم العمل البشري. إن النهضة لا تقوم على تخزين المعلومات الدينية، بل على تفعيلها.

 

ولقد ذمّ القرآن الكريم مَن يحمل العلم دون فقه حقيقي لمراميه، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]. هنا نرى أن حمل السِّفر (النص) موجود، لكن الحَمل الحقيقي (الفهم والعمل) مفقود.

 

ويقول النبي ﷺ: «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلَّغها، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» [رواه الترمذي وأبو داود]. هذا الحديث الشريف يؤكد أن هناك حامل فقه (ناقل نص) وهناك أفقه منه (المستنبط والمدرك للمقاصد)، والنهضة تُصنع بالفئة الثانية.

 

الفقه جسر بين النص والواقع

 

والفقه العميق ليس مجرد حفظ للأقوال؛ بل هو فقه الموازنات وفقه المآلات؛ أي القدرة على إنزال الحكم الشرعي على واقع معقد ومتغير.

 

وأضرب لك مثالًا من مدرسة الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما أوقف سهم المؤلفة قلوبهم، لم يكن ذلك إلغاءً للنص؛ بل كان فقهًا عميقًا في تنزيل الحكم على الواقع؛ إذ رأى أن الإسلام قد عزَّ ولم يعد بحاجة لاستمالة الناس بالمال.

 

هذا هو الفرق بين التدين الشكلي الذي قد يتمسك بالوسيلة ويُضيع المقصد، وبين الفقه الواعي الذي يحقق غاية الشارع.

 

ومع الفقه نحن بحاجة إلى القدرة على الاستنباط؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فالاستنباط هو العملية التي تحوّل النص «الخام» إلى حلول عملية لمشكلات المجتمع.

 

التدين الشكلي والتدين المُنتج

 

إن المواعظ وحدها قد تخدِّر العواطف مؤقتًا؛ لكن الفقه هو الذي يغير السلوك الدائم.

 

إن التدين الشكلي يركز على الهيئة؛ لكنه قد يفتقر للأمانة في العمل، أو إتقان الصناعة، أو حسن الخلق في التعامل. أما التدين المنتج فهو الذي يدرك أن فقه عمارة الأرض لا يقل أهمية عن فقه العبادات المحضة.

 

الفقه هو الذي يصنع النهضة

 

إن النهضة تتطلب فقهًا يفكك العُقَد الاجتماعية والاقتصادية بمرجعية إيمانية. فالتدين الواعي هو الذي يخرج لنا:

 

- التاجر الذي لا يغش، فقهًا بحديث «من غش فليس منا» [رواه مسلم].

 

- المسؤول الذي يراقب الله في المال العام فقهًا لمبدأ الأمانة.

 

- المجتمع الذي يحترم الوقت والنظام باعتبارهما من صلب التكليف الرباني.

 

إن انتشار النصوص دون فقه قد يؤدي إلى التطرف أو الانغلاق، أما الفقه فهو الذي يمنح النص المرونة ليكون صالحًا لكل زمان ومكان.

 

وختامًا أخي الكريم، إن المواعظ هي الوقود، لكن الفقه هو المحرك؛ ولا يمكن للسيارة أن تسير بوقود منثور على الأرض دون محرك يوجهه.

 

إن النهضة الحقيقية تبدأ عندما ننتقل من مرحلة السماع إلى مرحلة الفقه، وتحويل المواعظ إلى برامج عمل، ومؤسسات، وقيم أخلاقية تمشي على الأرض.

 

أسأل الله أن يبصرنا بحقائق ديننا، وأن يرزقنا فقهًا يرفع به قدرنا، ويصلح به حال مجتمعنا، وأن يجعلنا من أولي الألباب الذين يدركون مقاصد شرعه ويطبقونها بحب وإخلاص. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

هل مفهوم الفقه في الرؤية القرآنية يكتفي بالعلوم الشرعية؟

ما علاقة الوعي الديني بتشكيل القيم الاجتماعية؟