يسمع المقاطع الدينية لكنه لا يعمل بها.. فخ «التخمة»!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 181
  • رقم الاستشارة : 4124
20/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا رجل أدمنت مشاهدة واستماع المحتوى الديني بشكل قهري؛ فأنا أقضي ما يقارب 5 إلى 7 ساعات يوميًا متنقلًا بين سلاسل الدروس العلمية، والمقاطع الوعظية القصيرة، ومحاضرات الرقائق على يوتيوب وفيسبوك؛ لكني مع الأسف لا أطبق إلا القليل جدا مما أسمعه من وعظ وعلم.

أشعر بنشوة عند سماع معلومة جديدة أو رقائق تلمس قلبي، لكن بمجرد إغلاق الهاتف، أشعر بفتور يمنعني حتى من صلاة النوافل أو الأذكار!

هل حالتي هذه تعد من مداخل الشيطان ليصرفني عن العمل؟ وهل هذا نوع من الاستدراج أو الفتنة التي أظن فيها أنني أحسن صنعًا، بينما أنا أغرق في الغفلة؟

كيف أكسر هذه الحلقة المفرغة، وأحول هذا السماع إلى واقع عملي يغير من أخلاقي وعبادتي؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 20/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل في موقعنا. وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يبارك في علمك، وأن يجعل ما تسمعه حجة لك لا عليك، وأن يرزقك حلاوة العمل كما رزقك لذة السماع، وأن يثبتك على الحق حتى تلقاه وهو راضٍ عنك، وبعد...

 

فخ التخمة الذهنية

 

أخي الكريم، إن ما تمر به يسمى في علم النفس السلوكي بـ«الإنجاز الوهمي»، وفي رصيدنا الشرعي يسمى «العلم الذي لا ينفع»، وأنا أطلق عليه «التخمة الذهنية» التي تغشى عقلك وقلبك فتقعدك عن العمل.

 

إنك تعيش حالة من التلذذ المعرفي؛ حيث يفرز الدماغ مادة الدوبامين عند سماع معلومة جديدة أو موعظة مؤثرة، فيعطيك شعورًا زائفًا بأنك أصبحت أفضل دينًا وأقرب إلى الله، بينما في الحقيقة لم تتحرك جوارحك شبرًا واحدًا! ومن ثم لا تحصِّل أجرًا عند الله عز وجل.

 

وقد روي عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنه قال: «تعلّموا ما شئتُم أن تعلموا، فلن ينفعكُم اللهُ إلا بالعلمِ حتَّى تعملوا». وقال بعض السلف: «إن العلماء همتهم الدراية، والعارفين همتهم الرعاية، والسفهاء همتهم الرواية». وقال الإمام الغزالي في «الإحياء»: «الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم».

 

هل هذا من مداخل الشيطان؟

 

نعم، وبلا شك. فالشيطان بارع في تنويع مداخله؛ فإذا عجز عن صرف العبد عن الدين بالمعاصي والشهوات، صرفه عن «الأفضل» بـ«الفاضل»، عن طريق تشتيت الجهد، وتضييع الوقت، وسلب التركيز. ثم إنه –لعنه الله- يجعل استماعك للمحتوى الديني مجرد وسيلة للترفيه الروحي وليس وسيلة للتغيير، فيدخل عليك من باب حب العلم، ليحبسك في دائرة «الاستهلاك»، ويحرمك من بركة «الإنتاج». كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في وصف تلبيس إبليس: «ومن ظفر به في باب الفضائل والمستحبات، شغله بها عما هو أعظم منها نفعًا وأكبر قدرًا».

 

هل هذا استدراج أو فتنة؟

 

يخشى أن يكون هذا من باب إقامة الحجة عليك، فالعلم بلا عمل هو عبء على صاحبه يوم القيامة. يقول النبي ﷺ: «والقرآن حُجة لك أو عليك» [رواه مسلم].

 

إن شعورك بالنشوة ثم الفتور هو علامة على أن القلب يتأثر تأثرًا لحظيًّا عاطفيًّا، لا إيمانيًّا عميقًا. فالإيمان الحقيقي هو ما وصفه الحسن البصري بقوله: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل».

 

وتذكَّر وعيد الله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2 و3]. فالمقت (أشد البغض) قد يقع حين يرى الله العبد غارقًا في سماع المواعظ ثم هو معرض عن أبسط القربات.

 

كيف تكسر هذه الحلقة المفرغة؟

 

للخروج من هذه الحالة، لا بد من اتباع سياسة «الحمية المعرفية» إن جاز اللفظ، للتخلص من هذه التخمة، وصرف هذه الحصيلة في العمل بها. وإليك هذه الخطوات العملية:

 

1- تطبيق منهج الصحابة:

 

كان الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. فلا تشاهد مقطعًا جديدًا حتى تطبق سُنَّة أو خُلقًا أو ذِكرًا تعلمته من المقطع السابق. فإذا سمعت –مثلًا- عن فضل صلاة الضحى، أغلق الهاتف فورًا وقم وصلِّها.

 

2- تقنين أوقات السماع:

 

قضاء 7 ساعات في السماع أمر مجهد للذهن ويشتت التركيز. فحدد لنفسك ساعة واحدة فقط في اليوم للسماع، وبقية الوقت اجعله للعمل (أذكار، تلاوة، صلاة، مساعدة الناس... إلخ). تذكَّر أن ركعتين بخشوع خير لك من سماع مائة محاضرة عن الخشوع وأنت لا تصلي!

 

3- التركيز على الأصول:

 

المقاطع القصيرة والرقائق تعطي شحنة عاطفية مؤقتة. فاستبدل بجزء من وقتها دراسة فقه العبادات، لتعرف كيف تصح صلاتك، أو التفسير لتدبر القرآن. إن العلم المؤصَّل يثمر عمرًا طويلًا من العبادة، أما الرقائق فمفعولها قد ينتهي بانتهاء المقطع.

 

وختامًا أخي الغالي، إن الله لم يجعل الدين لنسمعه بآذاننا فحسب، بل لنتحرك به في واقعنا. ابدأ من اليوم، قلل ساعات الاستهلاك، وزد ساعات الإنتاج. لا تسمح لهاتفك بأن يكون حجابًا بينك وبين الله؛ بل اجعله مرقاةً تصعد بها.

 

أسأل الله أن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، وأن يريك الباطل باطلًا ويرزقك اجتنابه. وأن يجعل ما تتعلمه نورًا في قلبك، وعملًا صالحًا يرفعه إليه ويتقبله. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

أقول على «السوشيال» ما لا أفعل.. هل أعتزل لإصلاح نفسي؟

يقرأ القرآن ولا يتأثر.. ما السبيل إلى حضور القلب؟

 

الرابط المختصر :