الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5497
03/08/2026
عمري حاليا 36 سنة، لما كان عمري 13 سنة كنت بالغة كذبت كذبة فيها افتراء على شباب جيراننا وقولت شوفت بنات ناحية الباب والباب اتقفل، وكنت بارد على جارة لينا قالت شافت.
كان كل تفكيري كدبة عبيطة مكنتش فاهمة يعني إيه مظالم وحقوق عباد. بالغة آه بس معرفش حاجة عن مظالم أو رد حقوق. أهلي صدقوني والموضوع كبر وقتها بس خوفي منعني أقول الحقيقة. خوفت من ماما إني أقول أنا كنت كدابة.
فضلت أكبر ووعيي بيكبر واستغفرت كتير وتوبت وندمت وبقيت بطلع صدقات للشباب دول، ودايما بادعي ربنا يقبل توبتي، وهما سافروا ومفيش علاقة دلوقتي بينا وبينهم غير أمي بتكلم خالتهم وعلاقتهم طيبة.
أنا دلوقتي 36 سنة، اتجوزت وبقيت أم وحامل تاني. بس من شهر رمضان اللي فات الذنب ده واجعني أوي وحاسة إن توبتي مش هتتقبل غير بالتحلل، بس أنا مش عارفة أوصل لهم مباشرة وخايفة برضه أواجه أمي دلوقتي علشان توصلني بخالتهم. خايفة عليها وصدمتها فيا وخايفة يحصل لها حاجة.
أنا الندم بيموتني ووصلت لمرحلة وحشة أوي، وأنا خايفة على أمي وجدتي من صدمتهم ممكن يحصل لهم حاجة.
هل ندمي وتوبتي ربنا ممكن يقبلهم ويرضيهم عني يوم القيامة؟
حاسة إن ذنبي أسوأ ذنب في الكون، وحاسة إن آية (لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) مش شاملة لذنبي.
والله عارفة إني غلطانة غلط وحش أوي وكنت بالغة، بس أقسم بالله مكنتش فاهمة أبعاد الذنب إيه. مكنتش عارفة إن في حاجة اسمها مظالم وحقوق عباد. أنا كده خلاص من الهالكين في النار مفيش أمل ربنا يرحمني ويقبل توبتي؟
أنا خايفة على أمي أوي من اللي ممكن يحصل لو رحت قولت لها وأنا صغيرة كنت كدابة. ومفيش طريق أقدر أوصلهم مباشرة من غير تواصل أمي مع خالتهم. وأمي صعبانة عليا أقولها أنا كنت وحشة أوي يا ماما زمان.
أنا ندمانة والله، والإحساس بالذنب وصلني للمرض بس مش عارفة اعمل إيه علشان ربنا يساعدني. خايفة أوي من الآخرة، خايفة حقوق العباد دي تمنعني من الجنة. أنا خايفة أوي من النار. اللي مخوفني إن عندهم علم باللي قولته في حقهم.
مرحبًا
بك أختي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك
بالسكينة، وأن يغفر ذنبك، وأن يتقبل توبتك، وأن يتم حَملك على خير، ويقر عينك ببر
أبنائك وصلاحهم، وبعد...
فقد
قرأت رسالتك أكثر من مرة، ولامست فيها قلبًا حيًّا، وضميرًا يقظًا، ونفسًا لوَّامة
تخشى الله وتخاف مقامه، فهنيئًا لك هذا، وأحييك عليه؛ وذلك لأن هذا الخوف الشديد
والندم الذي يعتصر قلبك بعد مرور نحو 23 عامًا، ما هو إلا دليل قاطع على صدق
إيمانك وحياة قلبك.
والنبي ﷺ يقول:
«الندم توبة» [رواه أحمد]، والمؤمن الحق هو الذي يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع
عليه، بعكس المنافق الذي يرى ذنبه كذباب مرَّ على أنفه. لذا، أبشري، فإن مجرد
وصولك لهذه الحالة من الانكسار بين يدي الله هو أول وأهم أبواب القبول.
وسأجيبك
على كل جزء من أسئلتك وأناقش مخاوفك، ليرتاح قلبك وتطمئن نفسك.
هل
ذنبك هو أسوأ ذنب؟ وهل أنت من الهالكين؟
ذكرتِ
في رسالتك أنك تشعرين بأن آية الرحمة غير شاملة لذنبك، وهذا والله من تلبيس إبليس
ومداخله الخفية ليوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله، وهو ذنب أشد من الذنب الذي
ارتكبتِه في طفولتك!
تأملي
معي أختي الكريمة قول الله -تعالى- الذي شككتِ في شموله لك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. إن كلمة «جميعًا» هنا جاءت مطلقة، لتشمل حتى الشِّرك
(لمن تاب منه)، والكبائر، وحقوق العباد، وكل شيء يخطر على بالك. فالله -تعالى- لا
يتعاظمه ذنب أن يغفره.
وقد
جاء في الحديث القدسي العظيم: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم
لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» [رواه الترمذي]. فكيف تظنين أن
كذبة فتاة في الثالثة عشرة من عمرها ستُعجز رحمة الله التي وسعت كل شيء؟
بالغة
جسديًّا طفلة عقليًّا ونفسيًّا
تقولين
إنك كنت بالغة وقت هذه الفعلة؛ لكن دعينا ننظر للأمر بعدل الشريعة وروعتها.
فالفتاة في سن الثالثة عشرة قد تبلغ جسديًّا؛ لكنها لا تزال طفلة عقليًّا
ونفسيًّا. إنك وقتها لم تكوني مدركة لأبعاد مظالم العباد، ولم يكن لديك خبث أو قصد
لتدمير حياة هؤلاء الشباب؛ بل أحسب أنها كانت استجابة طفولية، ثم منعك الخوف من
أمك من التراجع. والله -عز وجل- يعلم هذا الضعف البشري، ويعلم أن دافعك كان الخوف
والجهل وليس تعمُّد الإيذاء.
حقوق
العباد والخوف على الأم
هنا
نصل إلى النقطة المحورية التي تؤرقك: هل توبتك لا تُقبل إلا بالتحلل المباشر؟
إن
القاعدة العامة في الشريعة هي وجوب رد المظالم والتحلل من أصحابها، ولكن من قواعد
الشريعة أيضًا أن: «درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح». فإذا كان إخبارك لأمك
سيؤدي إلى صدمتها، وربما تدهور صحتها، أو حدوث قطيعة رحم، وإذا كان الوصول للشباب
(الذين ربما نسوا الأمر تمامًا وتجاوزوه) سيفتح بابًا لفتنة جديدة، ومشاكل بين
العائلتين، وعداوات لا يعلم مداها إلا الله، ففي هذه الحالة لا يجوز لك
إخبارهم ولا إخبار أمك مطلقًا.
إن
التحلل من حقوق العباد في قضايا العِرض (كالغيبة والبهتان والنميمة) إذا كان سيؤدي
إلى مفسدة أعظم، فإنه يُكتفى بالاستغفار لهم، والدعاء لهم، والثناء عليهم في
المجالس التي ذُكروا فيها بسوء.
إن
الستر واجب هنا يا ابنتي؛ حفاظًا على قلب أمك، وحفاظًا على استقرار البيوت
والعلاقات الطيبة بينها. فاستري على نفسك في الكبر ما ستره الله عليك في الصغر.
هل
يرضيهم الله عنك يوم القيامة؟
إن
إجابة هذا السؤال يا أختي تكمن في صدق توبتك. فإذا علم الله منك الصدق والندم،
وعجزتِ عن الوصول إليهم أو كان في الوصول إليهم مفسدة، فإن الله -تبارك وتعالى-
يتكفل عنك بإرضائهم يوم القيامة من خزائنه هو، لا من حسناتك أنت، كما فعل –سبحانه-
مع الرجل الذي قتل مائة نفس، فلما صدقت توبته وخرج مهاجرًا إلى أرض الطاعة ومات في
الطريق، قبضته ملائكة الرحمة. هؤلاء المائة قتيل، أليست لهم حقوق؟ بلى، ولكن لصدق
توبته، تكفل الله بإرضاء قتلاه يوم القيامة. فإذا كان الله يغفر لمن أزهق مائة روح
وتكفَّل بإرضاء خصومه، أفلا يتكفل بخصوم فتاة صغيرة كذبت كذبة خوفًا وجهلًا ثم
تابت وندمت وتصدقت؟ بلى والله.
خطوات
عملية لتجاوز هذه المشاعر
1-
الاستمرار في الصدقة والدعاء: فما تفعلينه من إخراج الصدقات بنية
ثوابها لهؤلاء الشباب هو قمة الإحسان وعين الصواب. واستمري في الدعاء لهم بالتوفيق
والبركة في حياتهم، وهذا كافٍ جدًا للتحلل منهم بإذن الله.
2-
إغلاق هذا الملف للأبد: إياك أن تفتحي هذا الموضوع مع
والدتك أو أي أحد. فبرُّك بها الآن يقتضي عدم إدخال الحزن أو الصدمة على قلبها.
3-
مقاومة الوسواس: كلما جاءك إحساس بأنك من أهل النار وأن توبتك
غير مقبولة، قولي بصوت مسموع: «آمنت بالله وبرحمته، أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم». واعلمي أن هذا الإلحاح في تذكُّر الذنب بعد التوبة هو وسواس شيطاني يهدف
إلى إحزانك وتدميرك وحملك وإبعادك عن طريق النور.
4-
تحويل الندم إلى طاقة بناءة: بدلًا من البكاء المستمر الذي يعيق
مسيرة حياتك، وجِّهي هذه المشاعر لتربية أبنائك على الصدق، وزرع مخافة الله في
قلوبهم بالحب، لا بالرعب، وكذلك الدعوة إلى الله –عز وجل- والأمر بالمعروف في
محيطك والنهي عن المنكر، ما استطعت.
وختامًا
أختي الفاضلة، اعلمي أن الله أفرح بتوبتك من رجل فقد راحلته وعليها طعامه وشرابه
في صحراء مهلكة ثم وجدها، كما قال ﷺ.
فاطوي هذه الصفحة تمامًا، وعيشي حياتك زوجةً صالحة، وأمًّا مربية، وابنة بارَّة،
واعلمي أن الدموع التي ذرفتِها والحسنات والصدقات قد غسلت هذا الذنب بفضل الله.
تأملي وعد الله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِك
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الفرقان: 70]. فقد تتبدل كذبتك تلك بحسنات جبال بسبب صدق ندمك.
أسأل
الله أن ينزل عليك السكينة والطمأنينة، ويمسح على قلبك برحمته، ويتجاوز عن زلتك
بفضله، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
بين مرارة الندم وعجز المواجهة.. كيف نتحلل من المظالم القديمة؟