ماذا نقصد بالموضوعية وما أهميتها في التفكير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 18
  • رقم الاستشارة : 5117
20/06/2026

الكثير من الناس يتكلم عن الموضوعية ودورها في تقييم الأمور والحقائق فماذا نقصد بها وكيف أستفيد منها في تنمية عقلي وحكمي على الأشياء؟

الإجابة 20/06/2026

أخي الكريم، هناك الكثير من العوائق التي تمنع العقل عن التفكير، وهي تشبه المرايا المقعرة والمحدبة، فبعضها يكبر الصورة بأكثر من واقعها، والآخر يصغر الواقع والحقيقة، ولا شك أن مثل هذه الرؤى تؤثر على جودة التفكير واتخاذ القرار.

 

وفي المقابل هناك منهجيات وأساليب تساعد العقل على التفكير المتوازن، ومن بينها الموضوعية التي تعني النظر للأمور بتجرد تام والقدرة على إصدار الأحكام وتقييم الأمور بناء على أدلة وبراهين منطقية، والنظر للواقع والحقائق وتقبلها كما هي بعيدًا عن التحيزات المسبقة ومشاعر الحب والكراهية.

 

الموضوعية والمعرفة

 

يعرف الدكتور "عبد الوهاب المسيري" الموضوعية بأنها: "إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، أي تستند الأحكام إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل، وبعبارة أخرى تعني الموضوعية الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودًا ماديًّا خارجيًّا في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها، مستقلة عن النفس المدركة، إدراكًا كاملاً".

 

والموضوعية ضرورية في المعرفة والعلوم المختلفة، ولها تجلياتها، وهي قيمة؛ لذا فوصف شيء ما بالموضوعية يعني أنه ذو أهمية، كما أن للموضوعية درجاتها، ولذلك تصبح الكلمة ذات دلالة إيجابية على العلمية، ومن تجلياتها:

 

* الموضوعية في الفلسفة: الموضوعية حاضرة في الفكر الفلسفي، وهي تعني أن الحقيقة موجودة بمعزل عن إدراك الفرد وبغض النظر عمن يقولها، فمثلاً مياه البحر مالحة بغض النظر عن تذوق الفرد لها؛ ولذا فالحقيقة موجودة، وما دامت الحقيقة موجودة فيمكن الوصول إليها والبرهنة عليها بالأدلة، ومن ثم يجب ألا تؤثر مشاعر الفرد وتحيزاته وأفكاره المسبقة عليها.

 

* الموضوعية في البحث العلمي: وهي تعني تجنُّب الباحث للتَّحيُّز الشخصي، وعدم إصدار الإحكام إلا بعد فحص ما لديه من أدلَّة وبراهين بتجرُّد وشفافية، ومن العوامل التي تؤثر على موضوعية الباحث معتقداته وأفكاره، إذا تخلت عن الأسانيد المنطقة والأدلة والبراهين، فمع هذا التخلي يبتعد البحث عن العلمية ليصبح بحثًا مؤدلجًا، أي تغطي معتقدات الشخص على الحقائق والواقع.

 

كذلك قد تؤثر بعض الجهات المانحة والممولة للباحث على موضوعيته؛ إذ يجد نفسه منحازا للتناغم من أهداف ومصالح الجهات المانحة، وهذا يُضر بالموضوعية العلمية التي تعني النزاهة والتجرد للحقيقة.

 

ولكن للحقيقة فإن كثيرًا من الباحثين في المجالات الاجتماعية والإنسانية لا يستطيعون التحلي بالموضوعية المطلقة، غير أن هذا لا يعني أن يُطلق العنان لتحيزاته للسيطرة على النتائج، ولكن عليه أن يضبطها بقيود الحقيقة والرغبة في الوصول إليها.

 

* الموضوعية في الأخلاق: تثير الموضوعية في الأخلاق قضايا متعددة، منها هل الأخلاق نسبية أم مطلقة، وهي تنتفي الذاتية في النظر للأخلاق، وهل يمكن أن تكون هناك أخلاق إنسانية عالمية، وهل يمكن الحكم على الصواب والخطأ من خلال معايير خارجية عن ذاتية الفرد.

 

كيف أكتسب الموضوعية؟

 

التحلي بصفة الموضوعية من القيم الأخلاقية والعلمية الجيدة، وهي تعني أن تصدر أحكامك استنادًا على الحقائق والأدلة والبراهين، وليس بتأثيرات من المشاعر والتحيزات والأفكار السابقة، ومن النصائح التي يمكن تقديمها حتى يكتسب الإنسان الموضوعية:

 

* فصل المشاعر عن الحقائق: تحييد المشاعر أمر ضروري للنظر إلى الأمور بحيادية، وإنصاف، وهنا تحضرني مقولة تعبر أفضل تعبير عن هذا الفصل للمشاعر عن النظر للحقائق، وهي مقولة الإمام مالك بن أنس -رضي الله عنه-: "إن من شيوخي من استسقى بهم المطر، ولا أقبل حديثهم"، فبعض شيوخه رغم صلاحهم وتقواهم، إلا النظر الموضوعي إلى ضبطتهم للحديث وابتعادهم عن الغفلة يضع أحاديثهم في مجال الرفض، وكما قال الإمام مالك "لغفلتهم وأخذ بعضهم عن الكذابين".

 

* البحث عن الدليل: فيجب أن يستند القبول أو الرفض للدليل والبرهان، وليس للحدس الشخصي أو مشاعر، والدليل كما تعرفه اللغة بأنه "المرشد، أو ما به يكون الإرشاد، أو الكاشف عن الشيء والهادي إليه، والدال عليه، أو هو ما يستدل به"، والغاية المرجوة من الدليل هي انتقال العقل مما كان يشك فيه إلى التصديق اليقيني، أو هو الانتقال من الجهل بالشيء إلى العلم به، أو معرفة الشيء معرفة موثقة تطمئن القلوب لها، ولذلك تتعدد الأدلة بتعدد العلوم، وتعدد المواقف والظواهر.

 

* أن تدرك تحيزاتك: فمساءلة الشخص نفسه عن عواطفه ومشاعره وتحيزاته عند النظر لقضية ما تساهم في التحلي بالموضوعية، ولذلك رأينا اختلاف الفقهاء في مسألة منع القاضي من الحكم في قضية ما من خلال علمه الشخصي، فنجد أن مذهب المالكية والحنابلة قد منع القاضي من الحكم بناءً على ما يعلمه قبل التعيين أو خارج المحكمة، والغاية من ذلك سد الباب أمام تحيزات القاضي المسبقة، منعًا للشبهة.

 

موضوعات ذات صلة:

هل يؤثر التمويل على نتائج الدراسات العلمية؟

كيف أكتشف التوظيف الانتقائي للعلم؟

هل النقد الذاتي ينعش عقولنا؟

نصائح للتخلص من آفة التبرير

لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟

الرابط المختصر :