الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الطلاق وتبعاته
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
717 - رقم الاستشارة : 2453
24/08/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إلى المستشار الفاضل… أنا شاب مررت بتجربة زواج لم تدم طويلًا، وانتهت بالطلاق. كنت أظن أنني اخترت شريكة حياتي عن قناعة، لكنني فوجئت بعد الزواج أنها طماعة، لا يملأ عينها شيء، تطلب دائمًا المزيد، وتقارن نفسها بالآخرين باستمرار.
كنت أشعر أنني في سباق مرهق لإرضاء رغباتها المادية التي لا تنتهي. بذلت جهدًا كبيرًا حتى أصلح الحال، لكنني وصلت إلى قناعة أن الطمع وعدم القناعة صفة تُرهق البيت وتقتل المودة. ومع كثرة المشاكل والضغط النفسي والمالي لم أجد بدًّا من الطلاق.
الآن، وأنا خارج هذه التجربة، أريد أن أتعلم منها: كيف أختار في المستقبل الزوجة “الشبعانة” بجد، تلك التي: لا تثقل زوجها بالمهر والجهاز. لا تُقارن حياتها بالآخرين. تسأل عن حاجات زوجها لا عن جيبه. تسنده لا أن تُحمله فوق طاقته. قيمتها في نفسها لا في الذهب ولا المظاهر.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابني الكريم في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.. مررت يا بني بتجربة أليمة ولكن قدر الله وما شاء فعل وإنا لله وإنا إليه راجعون.. أجارك الله في مصيبتك وأخلف لك خيرا منها...
دعنا نقرر قاعدة أساسية أن الزواج رزق وجزء من قدر الإنسان.. نحن نأخذ بالأسباب قدر استطاعتنا ولكن في نهاية الأمر إرادة الله هي التي تحكم هذه القضية، وقد يتزوج الرجل الصالح بامرأة غير ذلك.. تأمل يا بني هذا الحديث الذي رواه البخاري وقارن بين المرأتين اللتين تزوجهما نبي الله إسماعيل (جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا.
ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ!!
قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ!!
فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟!
قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا، شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ؟!!
قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟
قَالَتْ: نَعَمْ؛ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ!!
قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ؛ الْحَقِي بِأَهْلِكِ.
فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا.
قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ؟
فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ ؟ قَالَتْ الْمَاءُ.
قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ.
قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ!! فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ!! قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ!!).
ولو صدق كلامك يا بني ولم يكن فيه مبالغة فزوجتك كانت تشبه زوجة نبي الله إسماعيل الأولى كثيرة الشكوى وغير راضية عن شيء، ولعل السبب الذي كان يدفعها لذلك هو كثرة المقارنات.
بعيدًا عن المبالغة
ابني الكريم، أريد أن أؤكد عليك وأنت تُقيِّم تجربتك السابقة ألا تجنح للمبالغة حتى تبرئ نفسك من أي خطأ وتحمل زوجتك السابقة كل الذنب؛ لأن المبالغة أحد أخطاء التفكير الشائعة جدًّا، وأخطر ما فيها أننا نؤذي أنفسنا ونحن نظن أننا نحافظ عليها ونمنع عنها الألم.. نحن نؤذي أنفسنا عندما نتجاهل بل ونتعمد أن نتجاهل دورنا في الخطأ؛ لأننا ببساطة سوف نقوم بتكراره مرة تلو أخرى، ونحن نظن دائمًا أن المشكلة في الطرف الثاني وأن حظنا العاثر هو من يوقعنا في أشخاص سيئين كل مرة هل تفهمني؟ فمن مصلحتك أن تكون بالغ الموضوعية وأنت تقيم التجربة حتى تعرف أخطاءك وتتجنبها في زواجك القادم إن شاء الله تعالى.
ترى لو سألنا طليقتك عن تقييم تجربتكما السابقة ماذا كانت ستقول عنك؟ قد تبرر لنفسها وقد تتجاهل بعض الحقائق، لكن ألا تعتقد أن لديها ملاحظات حقيقية عليك.. لا أرغب في إزعاجك ولكن أريدك حقًّا أن تغتنم الدروس من هذه التجربة القاسية.. لأنه لو كانت معاملاتك المادية تتسم بالشح والحرص والحسابات الدقيقة التي لا تغفل أي تفصيلة دقيقة ولا تشتري في بيتك إلا الضروريات الحتمية وتتصور أن أي طلب ترفيهي هو لون من ألوان الطمع ودلالة أن الزوجة نشأت في بيئة محرومة أو بالتعبير الشائع "جعانة"، فأنت تظلم نفسك لأنك ستدخل في صدام جديد بدلاً من أن تهنأ بزواج جديد.
ابني العزيز، من أجمل الصفات التي يُمدح بها الرجل صفة الكرم والتي قد تغطي على كثير من العيوب.. تستطيع كثير من النساء التعامل مع الرجل العصبي والرجل الغيور والرجل غير المتعاون و.. و.. ولكنهم لا يطيقون الرجل البخيل، فإياك أن تكون هذا الرجل.. إن لم توصف بالكرم فلا تجعل من صفاتك البخل.. أرجو أن يتسع صدرك لهذا الكلام الذي يحاول توضيح جميع أبعاد الصورة.
توكل على الله
ابني الكريم، بعد أن تقوم بمراجعة موضوعية لتجربتك السابقة للوقوف على أسباب الفشل ومعرفة أي أخطاء (ولو صغيرة) قمت أنت بها، يمكنك أن تفكر في البحث عن زوجة جديدة خالية من العيوب التي التقيتها في زوجتك السابقة، وأكثر ما قد يعينك على ذلك هو أن تتوكل على الله عز وجل فييسر لك الأمور.. فهناك أمور لا تُرى ولا تُعرف إلا بالعِشرة وليس لها من حل إلا توفيق الله عز وجل. احرص أن تقول كل صباح وكل مساء "حسبي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" سبع مرات، فيكفيك الله كل ما أهمك من أمور الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث.
بعد ذلك خذ بالأسباب، فابحث عن بيت ذي سمعة طيبة يكون معروفًا عنه التزامه بالخلق والدين وفتاة معروفًا عنها أنها صاحبة خلق رفيع.. فتاة متدينة مهذبة.
من الأمور المهمة جدًّا أن يكون هناك تكافؤ بينكما، فتكون الفتاة من نفس طبقتك الاجتماعية لأن الضروريات عند طبقة ما هي إلا كماليات عند طبقة أخرى، فكلما كان هناك تقارب في المستوى الاجتماعي والطبقي تم تحجيم الخلاف لأن المنطلقات متقاربة ومتشابهة.
من الأمور التي تساعدك أيضًا أن تتحدث إليها بشكل صريح أثناء فترة الخطبة عن ظروفك المادية وما تراه ضرويًّا وما تراه ترفيهيًّا أو استهلاكيًّا أو حتى من الكماليات وترصد رد فعلها على هذا الكلام هل هي مقتنعة به متجاوبة؟ أم أنها ممتعضة كارهة وفقط تمرره من أجل إتمام الزواج؟ خذ وقتك في تقييم الأمر، ويمكنك أن تطرح الأمر أكثر من مرة ولكن بطرق مختلفة.. مرة بشكل واضح وصريح، ومرة تحكي عن مشكلة صديق لك مع زوجته بسبب بعض التفاصيل المادية وتتابع تقييمها ورد فعلها، ومرة تكلمها عن مفهومك لشكل الحياة الزوجية، وهكذا حتى يطمن قلبك.
ابني الكريم، كن صادقًا مع نفسك.. صادقًا مع زوجتك المستقبلية حتى لا تثقلك بمصروفات المهر والجهاز وهذه الأمور وحتى لا تحملك فوق طاقتك.. ابذل جهدك حتى تتسع طاقتك لأقصى ما تستطيع.. كن كريمًا قدر ما تسمح به ظروفك.. كن متعففًا عن مالها الخاص، فإياك والسعي وراء الثرية حتى تتحمل مصروفاتها الشخصية أو حتى تساندك في مصروفات البيت فـ ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، كن قويًّا بني واستعن بالله ولن يخذلك أبدًا، ثق في ذلك.. أسعد الله قلبك ويسر أمرك ورزقك زوجة صالحة تقر عينك بها، وتابعنا بأخبارك.