الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5858
14/09/2026
أنا خالة لفتاة عمرها 19 سنة. كانت ابنة أختي عادية جدًّا في علاقتها بشكلها، لكن منذ دخولها الجامعة بدأت تقارن نفسها بزميلاتها بشكل مستمر.
تقول إنها ليست جميلة بما يكفي، وإن ملابسها لا تبدو مثل ملابس البنات، وإن الجميع أجمل منها.
أصبحت تقضي وقتًا طويلًا أمام المرآة، ثم تخرج وهي غير راضية عن شكلها.
أختها الكبرى تحاول أن تطمئنها وتقول لها: «أنت أجمل منهم»، لكن هذا لا يجعلها تتحسن، بل أحيانًا تعود لتسأل: «يعني أنت شايفاني حلوة فعلًا؟».
كيف نتعامل معها دون أن نزيد اهتمامها بشكلها؟
أختي الكريمة، من الجميل أنك انتبهتِ إلى الأمر مبكرًا؛
لأن التعامل مع صورة الذات يحتاج حساسية شديدة، خصوصًا في سنوات الانتقال إلى
الجامعة.
وأريد أن أبدأ من نقطة مهمة جدًّا: لا تجعلوا علاج عدم
رضاها عن شكلها قائمًا على إقناعها بأنها «أجمل من غيرها».
لأننا بذلك نغير السؤال من:
«هل أنا جميلة؟» إلى: «هل أنا
أجمل من فلانة؟».
وهذا لا يحل المشكلة؛ بل يثبت منطق المقارنة. المشكلة
ليست في المرآة وحدها. قد يكون وراء الأمر Body
Image؛ أي الصورة الذهنية
والانفعالية التي يحملها الإنسان عن جسده ومظهره.
وقد تصبح هذه الصورة شديدة التأثر بالمقارنة الاجتماعية؛
فتنظر الفتاة إلى نفسها لا بوصفها إنسانة كاملة، بل بوصفها مجموعة تفاصيل:
الشعر، البشرة، الملابس، القوام، الملامح... ثم تبدأ
عملية تقييم مستمرة.
لذلك لا تقولي لها باستمرار: «أنت جميلة»، ليس لأن
العبارة خاطئة، وإنما لأنها ليست كافية.
إذا كان عقلها يبحث عن عيب، فكلما قلتِ: «أنت جميلة» قد
تسألك: «طيب أنفي؟» ثم: «وشعري؟» ثم: «طب ليه فلانة أحلى؟» لأن المشكلة أصبحت Reassurance Seeking؛ طلب
الطمأنة بصورة متكررة.
ماذا نقول إذن؟
- قولي: «أعرف أن شكلك يشغلك هذه الفترة، لكن قيمتك أكبر
بكثير من مظهرك»، ثم: «لو كان يومك كله يدور حول تقييم شكلك، فأنت تستحقين حياة
أوسع من ذلك». هذه الجملة تنقل التركيز من الشكل إلى Whole-Self.
لا تنتقدوا شكلها حتى لو كنتم تمزحون، تجنبي تمامًا: «أنت
تخنتِ شوية» أو: «شكلك كان أحلى قبل كده» أو: «فلانة فعلًا أجمل منك»، حتى المزاح
العائلي قد يعلق في ذهن المراهق أو الشاب أكثر مما نتخيل.
- ثم لا تدخلوا في حرب مع
المرآة..
إذا وقفت أمامها كثيرًا، فلا تقولي: «ابعدي عن المرآة!» لأنها
ستشعر أنكم لا تفهمون قلقها.
بدلًا من ذلك، ساعدوها على إعادة تنظيم يومها بحيث لا
يصبح المظهر النشاط المركزي فيه.
رياضة صحية إن كانت تحبها، دراسة، هواية، علاقات
اجتماعية، قراءة، نشاط تطوعي، مهارة جديدة.. أي بناء هوية أوسع من المظهر.
- أيضا علموها أن الأذواق
مختلفة..
الجمال ليس امتحانًا له إجابة واحدة. والاختلاف في
الملامح ليس «نقصًا». كما أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون أجمل شخص في المكان حتى
يستحق الاحترام والمحبة.
انتبهوا إلى المقارنة الرقمية، إذا كانت وسائل التواصل
تجعلها أكثر انشغالًا بمظهرها، فساعدوها على تقليل التعرض للمحتوى الذي يثير
المقارنة.
ليس المطلوب أن نقول: «كل الصور مزيفة»، بل أن نفهم أن
ما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة الصورة الكاملة للإنسان أو لحياته.
- واعلمي أن ابنة أختك تحتاج
إلى بناء كفاءة في مجالات أخرى.. ساعدوها أن تكتشف:
«أنا جيدة في ماذا؟»
الدراسة؟
الرسم؟
الكتابة؟
التنظيم؟
اللغات؟
مساعدة الآخرين؟
التواصل؟
المعرفة؟
كلما اتسعت مصادر Self-Esteem، قلّ احتمال
أن تصبح القيمة الذاتية معلقة على مقياس واحد.
ومتى تحتاج إلى مختص؟
- إذا أصبح انشغالها بمظهرها شديدًا ويستهلك وقتًا
كبيرًا، أو يجعلها تتجنب الدراسة أو الخروج أو الناس، أو يدفعها إلى سلوكيات مؤذية
تجاه الطعام أو الجسم، أو يسبب ضيقًا شديدًا ومستمرًا، فمن الأفضل أن تتحدث الأسرة
مع مختص نفسي، ليس لأننا نريد تخويفها، وإنما لأن التدخل المبكر أفضل.
والرسالة التي أريد للأسرة كلها أن تفهمها: لا تجعلوا
البيت مكانًا لتقييم الأجساد. اجعلوه مكانًا لتقدير: العقل، الخُلُق، الرحمة،
الاجتهاد، الأمانة، المسؤولية، والإنسانية.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ التكريم
هنا أوسع بكثير من المظهر.
همسة أخيرة:
غاليتي، تواصلي برسالة لابنة أختك مفادها:
أتمنى أن تعرفي يومًا أن جسدك ليس مشروعًا يجب أن تقضي
عمرك في تقييمه.
أنت إنسانة لها عقل وقلب ورسالة وعلاقات وقدرات وأحلام.
لا تختصري نفسك في مرآة. فأجمل صورة للإنسان ليست التي
يراها في المرآة، بل الصورة التي يتركها في قلوب من حوله.
روابط ذات صلة:
ابنتي تقارن نفسها بكل البنات وتشعر بالنقص!
تقارن نفسها بالآخرين وتشعر بالدونية!!