سيكوباتي ونرجسي.. هل أمتنع عنه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : الحياة الزوجية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 299
  • رقم الاستشارة : 3769
06/01/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يحق لي الامتناع عن زوج مؤذٍ نفسيًا وبدنيًا؟ أنا سيدة متزوجة منذ 31 سنة من شخص له هيبته، وبه بعض الصفات الطيبة التي جعلتني أقبل به زوجًا بعد معاناة قاسية،

ولكن بعد الزواج تغيّر 180°؛ فقد اتضح لي أنه شخص سيكوباتي، اجتمعت فيه كل صفات النرجسية من بخل واستعلاء وظلم وتنمر وتحقير وإساءة لفظية وبدنية، يشهد الله على صدقي في كل ما كتبت، وشرّه لم ينل مني وحدي، بل امتد إلى أولادي جميعهم بدرجات متفاوتة نحن جميعًا نعيش مأساة لا تنتهي.

فمثلاً ابني يقول بأننا نعيش داخل سجن دون جريمة، وابني الأكبر يقول إننا نعيش في مقبرة تشتعل بنا كلما بدأت تهدأ، أما ابنتي المراهقة فتقول بأن صديقتها اليتيمة أحسن منها حالًا، وتعيش سعيدة على ذكرى أبيها الحنون، وتسألني: متى تتركينه ليتسع لنا المدى فنعيش حياة سوية؟ أما ابنتي الكبرى، وهي للعلم طبيبة خلوقة، على قدر من الجمال ومتدينة، فقد عزفت عن الزواج خوفًا من تكرار القصاص، لأنها في شخصها.

أبنائي عاشوا معي مراحل سحقي كليًا، ما أفقدهم القدرة على احترام كلمتي أو الاعتداد بي كأم، فقد نجح في جعلي مجرد خادمة في بلاط مملكته ليس هذا فحسب، فهو من طبقة اجتماعية أعلى مهنيًا، وهذا يجعله دائم السخط على أهلي، برغم أن أهله فقراء.

حين تزوجته لم يكن يملك ثمن شبكة أو زفّة أو حتى شقة، فقد تكفلنا بأكثر من 80% من تكاليف الزواج، حتى خاتم زواجي أهدتنيه أمي على اعتبار أنه سيعوضني متى أتته الفرصة، ولكن حين أكرمه الله، تنكّر لي كزوجة طلبت الطلاق على الإبراء فرفض، وهدد بأخذ أولادي مني، فرضيت بالذل والهوان لئلا أفقد مشروعية أمومتي.

الآن أتساءل: هل يحق لي الامتناع عنه كزوجة؟ فقد تعبت من الصبر عليه، وهو لا يتغير أبدًا، أصبحت مريضة، ولا يمكنني التحمل أكثر، أحاول حماية نفسي فيما تبقى لي من عمر عرضت عليه الطلاق، وعرضت عليه أن يتزوج، وكل هذا لاستمرار منعه عني.

لا يوجد شرع يسمح للرجل بمعاملة زوجته بالذل والهوان ثم يطلب حقه الشرعي، أنا أصبحت في الرابعة والخمسين من عمري ومريضة، وبناتي وأولادي كبار، ومن حقي أن أعيش في هذا العمر بشيء من الرحمة، فأفيدوني بما يجبر بخاطري، ولا تقسوا في ردودكم.

الإجابة 06/01/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا أختي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

أوجعني قلبي من رسالتك ولقد شعرت بكل حرف سطّرته فيها وشعرت بتعبك وإجهادك وإنهاكك بعد أكثر من ثلاثين سنة زواج، وحقًّا آن لك أن تستريحي من هذا العناء.. من حقك أن تشعري أنك مقدرة ومحترمة ومهمة.. من حقك أن تعيشي ما تبقى لك من عمر في حالة من السلام.. كل إنسان وله طاقة على التحمل ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

 

تقييم المشكلة

 

أختي الكريمة، دعينا نتحرك على أرض صلبة حتى لا نشعر بالندم على قرار متعجل، فهل كتبت هذه المشكلة تحت تأثير حدث ما؟ مشكلة محددة وضعتك تحت ضغط؟ أحيانا تحت وطأة المشكلات والضغوط لا نرى إلا السواد في الصورة؛ لذلك أريدك أن تكوني موضوعية في حجم المشكلة.. مثلا ابنتك المراهقة هل قالت لك هذا الكلام بعد مشادة بينها وبين والدها أم هذا شعورها الثابت نحوه؟ ابنتك الطبيبة هل ترفض حقًّا الزواج خوفًا من اللقاء مع شبيه أبيها؟ أم لأنها لم تلتق بمن يناسبها؟

 

أنا لا أشكك في كلماتك، ولكن أريدك أن تفرقي بين كلمة قيلت وقت غضب وبين شعور دائم مستمر.. فهل شعورك الدائم نافر ورافض لهذا الرجل أم أن الأمر يشبه الموجات أحيانًا تكون الأمور هادئة وأحيانًا مقبولة وأحيانًا مشبعة بالرفض والغضب؟

 

لقد ذكرت في بداية رسالتك أن زوجك نرجسي وسيكوباتي، وهذه مصطلحات نفسية ثقيلة واضطرابات مرضية في الشخصية لا يستطيع إطلاقها إلا الطبيب النفسي أو المعالج النفسي، لكن حدث تجاوز كبير في استخدام هذه المصطلحات، وهذا لا يدل على وعي نفسي بقدر ما يدل على استخدام مصطلحات علم النفس وأدواته في إدانة الآخر والحكم عليه ووضعه في خانة المريض النفسي.

 

هل ما كنت ترينه قبل الزواج هيبة هو ما ترينه اليوم نرجسية؟ وأين ذهبت كل الصفات الطيبة التي كنت ترينها فيه، فلا يوجد إنسان يتحول 180 درجة، بل رؤيتنا نحن أوقات الغضب هي ما يمكن أن يتحول هذه الـ180 درجة.

 

والسؤال الأخير الصعب والذي أرجو أن تتريثي كثيرًا قبل أن تجيبي عليه: ما هو دورك في كل ما حدث؟ هل كنت فقط الضحية المستسلمة التي تعرضت لكل صور الإيذاء النفسي والجسدي بصمت؟ حتى أولادك قبلت أن تكوني على هامش حياتهم؟ ألا يستحق ذلك منك تقييمًا؟

 

خطوات على طريق الحل

 

أختي الكريمة، أسهل الحلول أن أقول لك اطلبي الخلع وعيشي ما تبقى من حياتك بسلام فلم يعد لديك أطفال صغار تخشين تركهم أو الحرمان منهم.

 

ينافس هذا الحل في السهولة أن تبقي زوجة لهذا الرجل بشكل صوري فتحافظي على الشكل الاجتماعي ولا تربطك به علاقة حميمة، وأنت تقولين إنه لا مانع لديك من زواجه، ومن ثم فهو صورة أخرى من صور الطلاق.

 

الطلاق هو شرع الله عز وجل، ولا يمكن أن يلومك أحد على هذا الطلب طالما أن هناك الكثير مما يبرره، ولكنه حل هروبي أتمنى ألا تلجئي إليه إلا بعد أن تخوضي مواجهة حقيقية للإصلاح وليس مجرد صبر سلبي وصمت على الإساءة.. أنت بحاجة لمواجهة نفسك أولاً.. أنت ما زلت في الرابعة والخمسين من عمرك وتكتبين كأنك بلغت من العمر أرذله، مَن هم في مثل عمرك في البلاد الغربية يكونون في قمة العطاء، حتى في بلادنا أصبح مَن هم في مثل عمرك كتلة من الطاقة والحيوية، فأنت كيف تنظرين لنفسك؟ كيف تنظرين لقدراتك؟

 

أختي الكريمة، سواء الآن أو بعد الطلاق لا بديل عن هذه المواجهة مع نفسك، فما رأيك أن تخوضي غمارها الآن ألا تستحق هذه السنوات الثلاثون أن تواجهي نفسك قبل اتخاذ أي قرار؟

 

يلي ذلك مواجهتك مع زوجك.. هذا الرجل لا يريد الطلاق فلماذا لا يريده؟ حاولي أن تستوعبي وجهة نظره حتى لو قال لك إنه يريد الاستمرار من أجل الشكل الاجتماعي فحسب.. أنصتي إليه جيدًا ثم ضعي ضوابط لبقاء واستمرار هذه العلاقة يأتي على رأسها أن يتم التعامل معك باحترام وأن يذكر أهلك بالخير، وهذه حقوق أولية وألف باء مودة.. حوار ناضج لا توجهي فيه الإهانة لشخصه ولا تقبلي أن تتعرضي فيه للإهانة.

 

حديثك يكون بنبرة واضحة واثقة جادة وأفكارك تكون مرتبة واضحة، فهو حوار له أهداف تضعينها في عقلك قبل بدء الحوار.. يمكنك أن تتخيلي شكل الحوار قبل البدء فيه فتتخيلي شكل كلامك ورد فعله وكيف ستعقبين عليه حتى تستردي حقوقك منه.

 

إذا واجهت نفسك وعلى الرغم من ذلك بقي شعور النفور منه هو المسيطر عليك، فلا حل إلا طلب الخلع أو رفع قضية طلاق للضرر.

 

أما مسألة الزواج الصوري ومنعه من حقوقه الشرعية فهذه حياة مزيفة لن تحقق لك السلام الذي تبتغينه، وطالما أنه لا يقبل بهذا الحل المزيف فسيبقى إثم حرمانه من حقوقه مرتبطًا بك؛ لذلك فعليك أن تحسني التفكير وتواجهي نفسك وتحددي ما الذي تحتاجينه بالضبط؟ وما هي أولوياتك؟ وما هو الأكثر نفعًا والأقل ضررًا في الخيارات، فكل خيار مهما كان له مميزات إيجابية فله عيوب سلبية أيضًا، وأنت وحدك من بيده الاختيار.

 

بقيت نقطة أخيرة أعيدي بناء وهندسة العلاقة مع أولادك، فلا تسمحي لأحد منهم أن يقلل منك.. استعيدي مكانتك كأم ينبغي أن تحترم كلمتها.

 

أختي الغالية، اهتمي بنفسك واهتمي بصحتك الجسدية والنفسية ولا تستهيني بكرامتك ولا بقدراتك.. استعيني بالله ولا تعجزي ولا تملّي الدعاء وطلب التيسير دائمًا، وسوف ترين كيف تنقلب حياتك لليسر والراحة.. أسعد الله قلبك وأصلح لك كل أحوالك، وتابعيني بأخبارك دائمًا، فنحن معك في كل خطوة فلا تترددي في الكتابة مرة أخرى.

 

روابط ذات صلة:

زوجي النرجسي والفراغ العاطفي

الرابط المختصر :