حكم الطلاق المعلق حال الغضب... ليس كل الغضب سواء

Consultation Image

الإستشارة 19/09/2026

السلام عليكم شيخ بدي استفسر منك بخصوص حلف يمين طلاق، وقت الغضب حكيت لزوجتي لو روحتي لعرس بنت خالتك أنت طالق هل  يقع الطلاق إذا ذهبت، وكيف أتراجع عنه مع العلم العرس لابن خالها عن بنت خالتها.. كيف أبطل يمين الطلاق؟

الإجابة 19/09/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الطلاق أمانة عظيمة، وربطه بالشروط أو إطلاقه في ساعات الغضب من أكثر المسائل التي تعرض على دور الإفتاء، لما يترتب عليها من استقرار الأسر وسلامة الكيان الزوجي، ويسعدني بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة تفصيلاً وفق ما استقرت عليه المذاهب الفقهية.

 

اختصارًا: إذا كان الحلف بالطلاق قد صدر في حالة غضب شديد، فإن الغضب يُنظر في درجته؛ فإن وصل إلى حد الإغلاق وفقدان السيطرة والإدراك، غضب لا يدرك معه الإنسان ما يقول فلا يقع الطلاق اتفاقًا.

 

وأما إن كان غضبًا معتادًا، فعادة ما يكون نقاش الزوج مع زوجته النقاش الذي يصل إلى التلويح بالطلاق أو التلفظ به لا يكون وهما على وفاق واتفاق يبادلان المزاح معًا، بمعنى أن الطلاق في العادة يقترن بالغضب، فإذا كان مع بقاء الوعي، فإن جمهور الفقهاء يوقعون الطلاق بمجرد حصول الشرط، أي بذهاب الزوجة للعرس.

 

بينما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجمهور المعاصرين إلى أن الطلاق المعلق الذي يُقصد به التهديد والمنع لا يقع طلاقاً حقيقةً إذا وقع ما هدد به الزوج، بل تلزمه كفارة يمين فقط.

 

ولا يُبطل هذا اليمين إلا بعدم تحقق الشرط وهو ألا تذهب الزوجة، فإن كان الأمر يسيرًا فلتعتذروا لأصحاب العرس، وإلا فكفارة يمين، وكفارة اليمين يخير المكفر بين العتق والكسوة والإطعام. فإن عجز عن واحدة منها صام ثلاثة أيام، قال ابن حزم: وما نعلم في هذا خلافًا.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: آراء العلماء في الطلاق المعلق:

 

مذهب جمهور الفقهاء الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة: يرون أن الطلاق المعلق على شرط يقع بمجرد وقوع الشرط، فإذا علق الزوج طلاق زوجته على ذهابها للعرس، فذهبت، وقع الطلاق فورًا، بغض النظر عن نية الزوج إن كان يقصد التهديد أو الإيقاع، جاء في المغني لابن قدامة 10/345: "من وجد منه تعليق الطلاق على صفة، فمتى وجدت الصفة وجد المعلق عليها". وجاء في رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 3/245: "وإذا وجد الشرط وجد الجزاء".

 

اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض المعاصرين: يفرقون بين التعليق المحض الذي يقصد به إنشاء الطلاق في المستقبل وبين التعليق الذي يُقصد به معنى اليمين، أي يقصد الزوج منع زوجته أو حثها على أمر، لا إيقاع الطلاق بحد ذاته. فمن حلف بالطلاق للتهديد أو المنع ولم يقصد فراقًا، فإذا وقع الحنث وذهبت الزوجة لا يقع الطلاق بل تلزمه كفارة يمين.

 

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 33/124: "من حلف بالطلاق لا يفعل كذا، مريدًا لمنعه لا فراق زوجته، فهذا عليه كفارة يمين إذا فعل، ولا يقع به طلاق، وهو مذهب طائفة من السلف".

 

ثانيًا: اختلافهم في طلاق الغضبان:

 

اتفق العلماء على أن الغضب الخفيف الذي لا يغير طبع الإنسان ولا يغيب إدراكه، لا يمنع وقوع الطلاق باتفاق. وكذلك الغضب الشديد جدًّا الذي يفقد الإنسان عقله تمامًا ويخرجه عن حد التكليف كالمجنون والمغشي عليه لا يقع طلاقه اتفاقًا.

 

خلافهم في الغضب الشديد لكن دون حد الغضب المعتبر:

 

جمهور الفقهاء الأئمة الأربعة: يقع طلاق الغضبان ما دام عاقلاً يدرك ما يقول وقاصدًا للفظه، ولو كان غضبه شديدًا، طالما أنه لم يصل إلى حد الإغلاق المطلق الذي يعدم الإدراك.

 

جاء في بدائع الصنائع للكاساني: "وأما الغضب فلا يمنع وقوع الطلاق إذا كان يدرك ما يقول؛ لأن الطلاق صدر عن قصد وعقل".

 

أما شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقوانين الأحوال الشخصية في كثير من الدول المعاصرة فقد ذهبوا إلى عدم وقوع طلاق الغضبان إذا وصل غضبه حدًّا يُغلِق عليه إدراكه ويمنعه من حسن التصور والتنفيذ، بحيث يحال بينه وبين قصده واختياره، قال ابن القيم في إعلام الموقعين وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الطلاق في حال الغضب الشديد الذي يغلق على العبد أو يمنعه من التصور الصحيح لا يقع".

 

القواعد الفقهية الحاكمة في الطلاق المعلق حال الغضب:

 

قاعدة «الأصل بقاء الزوجية وعدم وقوع الطلاق بالشك»: النكاح عقد شرعي ثابت بيقين، ولا يرتفع إلا بيقين مثله، والشك في تأثير الغضب أو نية التعليق لا يفسخ النكاح المتيقن.

 

قاعدة «الأمور بمقاصدها»: واليمين المعلقة مبنية على نية الحالف وقصده؛ فإن كان قصده المنع والتهديد لا طلاق الزوجة، اعتبرت يمينًا عند المحققين، وإن قصد إيقاع الطلاق عند حصول الشرط وقع.

 

قاعدة «لا طلاق في إغلاق»: وهو الغضب الشديد الذي يغلق على الإنسان باب التصور والقصد السليم، فلا ينفذ طلاقه حال اشتداد الغضب وتأثيره البالغ على الإرادة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم الطلاق المعلق وضوابطه

التعليقات

الرابط المختصر :