<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قرأت قصة توما الحكيم، واستوقفتني دلالتها وما يمكن أن تفتحه من تساؤلات تتجاوز أحداثها إلى واقعنا المعاصر. فقد دفعتني إلى التفكير في طبيعة الإنسان حين يبني قناعته على معلومة خاطئة أو فهم ناقص، ثم يمضي في التعامل مع ما توصل إليه وكأنه حقيقة لا تقبل الشك أو المراجعة.</p><p> وما جعلني أتأمل القصة أكثر هو ما أراه اليوم على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتصدر أشخاص للحديث في الدين والفكر والطب وغيرها من المجالات، ويقدمون آراءهم وأحكامهم بثقة كبيرة، رغم أن بعض ما يطرحونه قد يقوم على قراءة عابرة أو معلومة مجتزأة أو فهم لم يكتمل. وقد يتجاوز تأثيرهم حدود آرائهم الشخصية، فيتابعهم الآلاف وربما الملايين، ويتعامل بعض جمهورهم مع كلامهم بوصفه معرفة موثوقة، لمجرد طريقة عرضه أو قوة صاحبه في الإقناع.</p><p> ولعل ما يستحق التأمل أيضًا هو طبيعة العصر الذي نعيش فيه، حيث اعتدنا الوصول السريع إلى المعلومات، وأصبحنا نتوقع إجابات فورية عن أسئلة تحتاج في حقيقتها إلى بحث طويل وقراءة متأنية وتدرج في الفهم. فهل أسهمت ثقافة السرعة والسهولة في إضعاف صبر الإنسان على طلب العلم الحقيقي، حتى أصبح بعض الناس يكتفون بمقاطع قصيرة أو ملخصات عابرة، ثم يشعرون بأنهم امتلكوا المعرفة التي كان تحصيلها يحتاج في السابق إلى سنوات من الدراسة والمراجعة؟</p><p> وهل غيّرت هذه الثقافة نظرتنا إلى العلم نفسه، فلم نعد نرى قيمته في عمق الفهم ودقته، بقدر ما نبحث عن المعلومة السريعة التي تمنحنا شعورًا بأننا نعرف؟</p><p> وهنا وجدتني أتساءل عن الفرق بين الإنسان الذي يجهل أمرًا فيدرك جهله ويسأل أهل العلم، وبين الإنسان الذي يجهله ولا يدرك أنه يجهله، بل يعتقد أنه أحاط به علمًا. وكيف يمكن أن ينتقل المرء من مجرد الخطأ في الفهم إلى الثقة المفرطة فيما يعتقده، ثم إلى الدفاع عنه ورفض مراجعته، حتى يصبح تصحيح الخطأ أصعب من وقوعه؟</p><p> وقد زاد اهتمامي بهذه المسألة حين ربطتها بما يُعرف في علم النفس بتأثير دانينغ–كروجر، الذي يناقش العلاقة بين محدودية الكفاءة في مجال معين والمبالغة في تقدير القدرات الذاتية فيه. فهل يساعدنا هذا المفهوم على فهم بعض صور الجهل المركب، أم أن الظاهرة أوسع من تفسير نفسي واحد؟</p><p> إن ما يشغلني في هذا السياق هو أن الخطأ في الماضي قد يبقى محدود الأثر، بينما أصبح من الممكن اليوم أن تنتشر الفكرة الخاطئة في وقت قصير، وأن تتحول كثرة المتابعين والتأييد إلى ما يشبه شهادة جماعية بصحة صاحبها، حتى إن المكانة التي اكتسبها قد تجعل التراجع عن رأيه أمرًا صعبًا عليه، وقد تجعل جمهوره نفسه يقاوم كل محاولة لتصحيحه.</p><p> فكيف يمكن فهم هذه الظاهرة في ضوء طبيعة النفس البشرية، ومفهوم الجهل المركب، والمنهج الإسلامي في طلب العلم والتثبت قبل القول والحكم؟ وما الذي يجعل الإنسان أحيانًا عاجزًا عن رؤية حدود معرفته، وما أثر ذلك حين يصبح كلامه مؤثرًا في أفكار الناس ومعتقداتهم وقراراتهم؟</p><p> أطرح هذه القضية رغبةً في فهم أبعادها الفكرية والنفسية والاجتماعية، انطلاقًا من قصة توما الحكيم وما أثارته في نفسي من تساؤلات، وأترك لكم تناولها من الزاوية التي ترونها أعمق وأجدر بالبحث.</p>
أخي
الكريم، في البداية أحييكم على الإضافات القيمة التي تضمنتها رسالتكم
الموقرة، والحقيقة أن الرسالة مكتظة بالأفكار والمعلومات، والتساؤلات، واسمح لي أن
أقتبس فكرة واحدة منها لمناقشتها معكم، وفي ظني أنها ذات أهمية، وهي تأثير ثقافة
السرعة في العصر الذي نعيش فيه على العلم والمعرفة، حيث يلاحظ تراجع المعرفة
العميقة والقراءة الكاملة لصالح كل ما هو هامشي وسطحي.
معيار
السرعة
أخي
الكريم، ثقافة السرعة هي مفهوم اجتماعي-ثقافي يرتبط بنمط الحياة الحديثة،
التي تقدس السرعة، والكفاءة، وتُعلي من الاستجابات الفورية كقيم عليا في المجتمع
الحديث.
وقد
سرت هذه الثقافة في روح المجتمعات ومجالاتها المختلفة، حتى في إنتاج الغذاء، إذ
ابتكر العلم طرق زراعة وكيماويات لتسريع نمو النبات، وكذلك تسريع تربية الدواجن
والحيوانات بصورة انعكست سلبًا على القيمة الغذائية لهذه المنتجات، ولم ينجُ مجال
في الحياة إلا وكانت تلك الثقافة حاضرة فيه، حتى اعتاد الناس على السرعة، وأصبحت
السرعة معيار للتقدم والكفاءة.
لكن
الوجه الآخر لهذا المعيار القائم على السرعة، هو أن الإنسان أخذ يفقد صبره وقدرته
على التحمل، وأصبح يريد أن يغرس البذرة ويرى الثمرة بعد وقت قليل، حتى وإن لم يكن
هنا أي نضج أو استواء.
ومع
قلة الصبر أخذت تتراجع أشياء كثيرة في حياة الإنسان، ومنها صبره على طلب العلم
والمعرفة وتحمل مشاق السعي خلف المعلومة أو التحقق من صدق الفرضية وصحتها، أو
التأمل الفلسفي في الكون، وبات الإنسان لا يطيق صبرًا على التأمل الوجودي، وبات
ينظر إلى مصلحته وإشباع لذته في كل نظرة تلقيها عيناه على الآيات الكونية، فغاب
الاندهاش وحضرت اللذة والمنفعة.
وفي
عالم السرعة انتشرت المعرفة السطحية، والتي رسختها الرقمية ذات السرعات الفائقة،
فتحول التعامل مع الفكرة والمعلومة من القراءة والتعمق والتحليل والتدبر إلى
التصفح السريع، وأصبحت أهم معايير تقييم الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت هي قدرتها
على التحميل السريع للغاية لصفحات الإنترنت.
تشير
الدراسات إلى أن هناك خمسة مليارات شخص على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقضي
الإنسان العادي ما يقرب من ثلاث ساعات يوميًّا على الإنترنت، وأن مستخدم الهاتف الذكي العادي
يتصفح 300 قدم من موجز الأخبار يوميًّا، وهو ارتفاع تمثال الحرية في
الولايات المتحدة، وتشير الدراسات الرقمية -أيضًا- إلى أن الوقت المخصص لكل خبر عبر منصات التصفح السريع تصل إلى (30) ثانية
فقط في قراءة الخبر أو تصفح الموقع، وفي السابق إبان الصحافة الورقية كان الشخص
يقضي (40) دقيقة في قراءة الصحف.
وهم
المعرفة
أخي
الكريم، ولعل تلك الروح غير الصبورة وشديدة العجلة أوجدت ما يسمى في الدراسات
النفسية الحديثة بـ"التصفح المأساوي" فالخوارزميات الرقمية وضعت أمام
المستخدم كميات هائلة من الأخبار العاجلة والصادمة؛ لأن الطبيعة البشرية مبرمجة
جينيًّا على الانتباه للمخاطر والأخبار السلبية، مما يدفع الشخص لابتلاع عشرات
الأخبار دون وعي كامل بالكمية.
ومع
قلة الصبر، والتصورات الخاطئة التي أنتجتها كثافة المعلومات التي تشاهدها عين
المستخدم للرقمية كل ساعة، أحس ذلك الإنسان بأنه يملك معرفة حقيقية، وظهرت في
الساحة الثقافية والعلمية ظاهرة مقلقة وهي "وهم المعرفة" فالمعلومة هي
الخطوة الأولى لتحصيل المعرفة، فهي تشبه المادة الأولية المستخرجة من المناجم ولا
تصلح للأغراض المختلفة إلا بعد عمليات صناعية معقدة لتمكين الإنسان من الاستفادة
منها.
ومن
هنا أصبح وهم المعرفة مسيطرًا على روح الأجيال التي تفتح وعيها على الرقمية،
فالشاب يظن أن معرفته بعدد كبير من المعلومات تُمكنه من أن يفهم العالم ويستطيع
التعامل معه، ولكن كما كان يقول أحد المفكرين الغربين: "وسط ركام المعلومات
تضيع المعرفة، ووسط ركام المعرفة تغيب الحكمة"؛ فالمعلومات المجردة لا تصنع
معرفة، ولكنها تشبه حبات متناثرة بلا رابط ولا سياق ولا غاية.
والقاعدة
أنه كلما زادت سرعة تدفق واستهلاك المعلومات، تعمّق وهم الإنسان بأنه يعرف ويفهم،
وتحول الفهم العلمي العميق نحو البحث السريع لتدفق المعلومات، وتراجعت الذاكرة
الإنسانية في استيعاب العلم إلى الذاكرة الإلكترونية، وغاب التفكير النقدي لصالح
العقل الأداتي أو التقني.
موضوعات
ذات صلة:
هل يساهم
الإعلام في نشر السطحية والضحالة الفكرية؟
فخ
اليقين.. كيف يقودنا للجمود الفكري؟
هل يؤثر
التمويل على نتائج الدراسات العلمية؟